شهر على الحرب في لبنان: مليون نازح.. ومشهد غيّره الصّراع

ترجمة هنا لبنان 2 نيسان, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

بعد مرور شهر على إطلاق حزب الله صواريخ على إسرائيل، ردًّا على مقتل المرشد الأعلى الإيرانيّ السّابق علي خامنئي في الهجوم الإسرائيلي الأميركي على إيران، يغرق لبنان في صراع تتجاوز شدّته التّصعيدات السّابقة.
ففي غضون أسابيع، أعادت المواجهة بين إسرائيل وحزب الله تشكيل خريطة البلاد العسكريّة، وعمّقت أزمة إنسانيّة هائلة، وكشفت محدوديّة الدولة اللبنانيّة في مواجهة حرب تتجاوز قدراتها.

حصيلة بشريّة ثقيلة ومجزّأة
حصد الشّهر الأوّل من الحرب حصيلة بشريّة باهظة؛ إذ أفادت وزارة الصحّة اللبنانيّة عن سقوط 1،268 قتيلًا، بينهم 125 طفلًا و88 امرأة، و3,750 جريحًا، منهم 423 طفلًا و473 امرأة، حتّى الآن، واعتبارًا من الثّاني من آذار الماضي. ويشمل ذلك عددًا من العاملين في المجال الطبيّ الّذين أصيبوا في أثناء تأدية واجبهم.
ويضاف إلى هذه الأرقام بُعد آخر مُعتَّم عليه: البُعد المتعلّق بالمقاتلين. فقد قُتل أكثر من 400 عضو من قادة التّنظيم، بالإضافة إلى كوادر مرتبطة بإيران، في غارات دقيقة، بما في ذلك في ضاحية بيروت الجنوبيّة.
لا تقتصر الخسائر على المتحاربين المباشرين. فقد دفعت قوّة الأمم المتّحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) ثمنًا غير مسبوق، إذ سقط ثلاثة قتلى من “القبّعات الزّرقاء” يوميْ 30 و31 آذار، وعدد من الجرحى في حوادث ذات صلة بالقصف. كما سُجّل سقوط ضحايا من الجيش اللبنانيّ.
بعيدًا عن القتلى ك، تسبّبت الحرب في حركة نزوح هائلة. وقد تجاوز عدد الأشخاص في مراكز الإيواء، وفق أحدث أرقام وحدة إدارة الكوارث اللبنانيّة، 136,000 شخص في 669 مركزًا عبر البلاد، ليصل إجماليّ النّازحين إلى أكثر من مليون شخص. وفي الوقت عينه، عبَرَ ما يقارب 189,000 الحدود متجّهين إلى سوريا.
كما أفادت الوحدة إنّ لبنان تعرّض بين الثّاني من آذار والأوّل من نيسان لـ 4,727 غارة إسرائيليّة.

دمار واسع
امتدّ الدّمار الماديّ إلى الأراضي اللبنانيّة كافة، مع بقاء جنوب لبنان مركز المعارك، حيث تتعرّض القطاعات الشرقيّة، والوسطى، والغربيّة لقصف مكثّف ومتكرّر. وقد استهدفت الضّربات البنى التحتيّة المدنيّة الحيويّة، بما في ذلك محطّات معالجة المياه، فضلًا عن الجسور، والمحاور الطرقيّة الاستراتيجيّة.
وتضرّر ما يقارب ربع المباني في جنوب لبنان، أو دُمّر، مع أكثر من 10,000 منشأة مدنيّة، بينها مساكن ومدارس، هُدمت بالكامل. وتكمن خلف هذا الدّمار الظّاهر أضرار بيئيّة جسيمة، تشمل غابات محترقة، وأراضٍ زراعيّة ملوّثة، وأنظمة بيئيّة أساسيّة للحياة تدهورت بشكل منهجيّ.
وقد سُجّل فقدان نحو 46,479 هكتارًا من الأراضي، بما في ذلك مساحات واسعة من الغابات، والأراضي الزراعيّة. وفي المناطق الواقعة على طول الخطّ الأزرق، في عيتا الشّعب وراميا ومروحين، تدهورت التّربة بشكل كبير، مع اكتشاف مستويات من مبيدات الأعشاب تجاوزت 50 مرّة المعدّل الطبيعيّ، ما أثار مخاوف من تلوّث طويل الأمد للمياه، وتقليص القدرة على تجدّد المحاصيل لمواسم زراعيّة مقبلة.
طالما اعتُبر البقاع منطقة خلفيّة، لكنّه أصبح الآن جزءًا من مسرح العمليّات، مع استهداف الطّرق اللوجستيّة والمواقع التّابعة لحزب الله، ما عرقل المحاور الّتي تربط لبنان بسوريا، في مؤشّر على رغبة إسرائيليّة في قطع خطوط إمداد الحزب.
وتتضاعف الضّربات المحدّدة في بيروت وفي ضاحيتها الجنوبيّة، وتزداد حدّة، لتطال سيّارات، ومبانٍ سكنيّة، وبنى تحتيّة مرتبطة بحزب الله، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى.

عزل جنوب لبنان
على الصّعيد العسكريّ، أصبحت الهجمات الإسرائيلية جزءًا من استراتيجيّة معلنة لإعادة رسم المشهد الأمنيّ في جنوب لبنان بشكل دائم. ولم تعد السّلطات تتكلّم عن منطقة عازلة محدودة فحسب، بل عن إقامة شريط أمنيّ يمتدّ حتّى نهر اللّيطاني، يُفترض أن يتحوّل إلى خطّ فصل فعليّ.
وأشار وزير الدّفاع الاسرائيليّ، يسرائيل كاتس، في 31 آذار، إلى إقامة شريط أمنيّ في الأراضي اللبنانيّة لوضع حدّ لتهديد الصّواريخ المضادّة للدبّابات، والحفاظ على وجود طويل الأمد. تبنّت هذا التوجّه أعلى المستويات السياسيّة، وأكّد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استمرار توسيع هذه المنطقة، معتبرًا ذلك خطوة أساسيّة لإبعاد قدرة حزب الله الهجوميّة عن حدود إسرائيل الشماليّة.
أمّا ميدانيًّا، فيرافق هذه الاستراتيجيّة تحوّل عميق في جغرافية الصّراع، ويسهم تدمير محاور حيويّة متعدّدة، بما في ذلك سبعة جسور على الأقلّ، تربط الجنوب ببقيّة البلاد، في عزل المنطقة بشكل تدريجيّ. وبرّرت إسرائيل هذه الضّربات رسميًّا لعرقلة حركة الأسلحة والمقاتلين، لكنّ أثرها الفعليّ كان قطع جنوب لبنان عن امتداداته الطبيعيّة نحو الشّمال.
تغذّي هذه الديناميّة المخاوف من إعادة تكوين الأراضي بشكل دائم. وأدان رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة جوزاف عون ذلك باعتباره تصعيدًا ضخمًا، واعتداءً مباشرًا على سيادة البلاد، محذّرًا من عمليّة بريّة واسعة محتملة. ويرى المحلّلون أنّ الهدف الإسرائيلي لم يعد يقتصر على احتواء حزب الله، بل يسعى أيضًا إلى تفريغ الجنوب من سكّانه بشكل دائم، مبتعدًا عن منطق الاحتلال السّابق بين 1978 و2000.
في هذا الإطار، يستعيد نهر اللّيطاني أهميّته الاستراتيجيّة الّتي اكتسبها بعد حرب 2006، عندما نصّ قرار 1701 الصّادر عن مجلس الأمن، نظريًّا، على اعتبار هذا الخطّ حدًّا لنشر القوّات المسلّحة غير النظاميّة. على الأرض، لم تُطبّق أبدًا هذه البنية بالكامل. ويشير اليوم التقدّم الاسرائيليّ، إلى جانب وجود عسكريّ استمرّ منذ 2025 في بعض المواقع، إلى رغبة واضحة في فرض واقع جديد يتجاوز حدود عمليّة موقّتة.

حزب الله تحت الضّغط
في مواجهة هذه الهجمات، يحافظ حزب الله على استراتيجيّة هجينة، حيث يواصل شنّ هجمات عابرة للحدود، تشمل إطلاق الصّواريخ، والطّائرات المسيّرة، وضربات دقيقة ضدّ مواقع إسرائيليّة، مع تجنّب مواجهة مباشرة طويلة الأمد على الأرض، حتّى الآن.
إلّا أنّ بنية حزب الله التحتيّة تتعرّض لضربات عنيفة، شملت مراكز لوجستيّة، ومستودعات أسلحة، وشبكات اتّصالات، ومواقع قيادة في مختلف أنحاء البلاد. وتهدف حملة “قطع الرّأس” هذه إلى إضعاف قدراته العملياتيّة وسلسلة قيادته.
بالتّوازي، تتأثّر مؤسّسات الحزب المدنيّة، خصوصًا في المجالات الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، واللوجستيّة، ما يعرقل تقديم الخدمات إلى النّازحين. ويشمل ذلك محطّات الوقود التّابعة لشركة الأمانة للبترول، الّتي تعمل في لبنان منذ 2005. يُضاف إلى هذا المؤسّسة الماليّة التّابعة للحزب “القرض الحسن”، وبعض الهيئات المحليّة الأخرى الّتي تقدّم المساعدات والخدمات المجتمعيّة.

دولة محدودة الهوامش في مواجهة الحرب
تبدو هوامش المناورة لدى الدولة اللبنانيّة محدودة أكثر من أي وقت مضى. فبينما يبقى الجيش اللبنانيّ بعيدًا عن الاشتباك المباشر، كثّف بعض الإجراءات الأمنيّة الداخليّة، لا سيّما من خلال عمليّات اعتقال محدّدة استهدفت مسلّحين، فضلًا عن تعزيز نقاط التّفتيش على محاور حسّاسة.
سياسيًّا، شهدت السّلطات تحوّلًا ملحوظًا، إذ أعلنت الحكومة رسميًّا حظر أنشطة حزب الله العسكريّة، وهو قرار بتداعيات كبيرة في بلد يبقى فيه حزب الله متجذّرًا بعمق في المشهديْن السياسيّ والأمنيّ. وفي الوقت عينه، اتّخذت بيروت خطوة دبلوماسيّة استثنائيّة بإعلان السّفير الإيرانيّ، محمّد رضا شيباني، شخصًا غير مرغوب فيه، في إشارة إلى رغبتها في تأكيد سيادتها أمام نفوذ طهران الإقليميّ.
مع استمرار الضّربات، وتواصل نزوح السكّان، يواجه لبنان معادلة دراميّة: إنهاء الحرب، وإعادة بناء الدولة، وحماية المواطنين، في ظلّ محاصرة بين قوّة عسكريّة إسرائيليّة فاعلة ونفوذ إيرانيّ، وحزب الله المصمّم على المقاومة وجرّ لبنان إلى نفق لا مخرج منه.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us