ملف الراعي أمام القضاء… تحرّك سياسي وأمني لاحتواء التوتّر

تتداخل المسارات القضائية والسياسية والدبلوماسية في لبنان على خلفيّة أزمة الإساءة إلى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، حيث تحوّل الملف إلى اختبارٍ لهيبة الدولة وقدرة القضاء على فرض المحاسبة. وفي موازاة التحرك القضائي، برزت مواقف رسمية ودولية داعمة، وسط إجراءات أمنية لمنع التوتّرات، وتحرّكات حكومية لضبط خطاب الكراهية ومواكبة التحديات الميدانية.
وفي التفاصيل، قدّم رئيس حركة التغيير إيلي محفوض على رأس وفد من المحامين ضمّ كلًّا من المحامين: كلود الحايك، فادي القصيفي، ناجي ناصيف وشربل غصوب بمراجعة أمام النيابة العامة التمييزية، على خلفيّة التعرّض للبطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، معتبرًا أنّ “الملف متشعّب وهو أبعد من إهانة تعرّض لها البطريرك الراعي”، مشدّدًا على أنّ “الموضوع يتعلّق بهيبة الدولة، وبالتالي القضاء اليوم أمام امتحان، والدولة كلّها أمام امتحان، الذي هو هيبة الدولة”.
وأوضح محفوض من أمام قصر العدل في بيروت أنّ “القضاء اليوم أمام امتحان: إلى أي مدى الدولة قادرة، وإلى أي مدى القضاء قادر على أن يحاسب على الذي صار؟”، مؤكدًا أن “القضاء بيقدر، قادر مثل ما الجيش قادر، مثل ما كل المؤسسات قادرة”.
أضاف: “إنّ عمل المؤسّسات يجب أن يكون على قدر هذه المسؤولية ويشبه رئيسَيْ الجمهورية والحكومة. نحن نريد المؤسّسات والإدارة على صورة رئيس الجمهورية والرئيس نواف سلام”.
وردًّا على ما يُقال إنّ تقديم الدعوى قد يعد استفزازًا لبيئة معيّنة، أشار إلى أنّ “الموضوع أبعد من تطاول، الموضوع بات يُلامس أزمة مجتمع برمّته في لبنان، في شريحةٍ باتت تمتهن لغة الحقد”، لافتًا إلى أنّ “اللجوء إلى القضاء يأتي كي لا تحصل ردود وردود مضادة”.
وأبدى محفوض تفاؤله بتعيين المدعي العام التمييزي الجديد، قائلًا إنّه “يستبشر خيرًا”، آملًا أن يعالج سريعًا ثلاثة ملفات أساسية: “ملف المرفأ، العودة إلى استحضار واستجلاب وإنفاذ مذكّرات التوقيف في حق وزراء ونواب سابقين، وملف الشكوى التي تقدّمنا فيه ضدّ الشيخ نعيم قاسم الذي استجرّ الاحتلال، واليوم هذا الملف”.
وأكد أنّ “مدعي عام التمييز، بحسب الأصول والقانون، يرأس كل النيابات العامة في لبنان، وهو تقريبًا أعلى سلطة جزائية في لبنان، وبالتالي الكرة اليوم في ملعبه”، مشيرًا إلى أنّ “الرئيس الجديد معروف تاريخه ومناقبيته وأدميته”.
ورفض تبرير ما حصل على أنّه “ردّ فعل”، قائلًا: “إذا فيديو عمله أفراد أو شخص، مش عملته هذه الجهة، ليه تروح على بكركي؟ لأ يا شباب بدكن تقطعولنا ياها. بكركي حيطا مش واطي”.
وأكّد أنّ “كثيرًا من أهلنا الشيعة المعترضين على كل ما يحصل، رافضون كليًّا لهذا النموذج السيء”، مضيفًا: “هذه صور لا تشبهنا، لا تشبه تاريخ لبنان. شيعة لبنان هم شيعة جبل عامل، وليسوا شيعة لا إيران ولا أي دولة أخرى، نفتخر بهم، نتمسّك بهم، يشبهوننا ونشبههم، وسنكمل وإياهم ونعود لنبني الجمهورية”.
وتوجّه محفوض إلى الرئيس نبيه بري، قائلًا: “التطاول على البطريرك الراعي يمسّ بكَ في الأساس فأنت نشأتَ في مدرسة مارونيّة تابعة لبكركي”، أضاف: “أقول لكم الاعتذار مرفوض إذا لم يكن هناك تحقيق واعتقال ومحاكمة أمام القضاء اللبناني لكلّ متطاول وإذا لم يحصل ذلك فنحن ذاهبون إلى فوضى كبيرة. الأمر يتعلقّ هذه المرة بهيبة الدولة”.
وفي هذا الإطار، صدر عن وزارة الداخلية والبلديات البيان التالي:
“يتمّ التداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي بدعوتَيْن لتنظيم تحرّكين أمام قصر العدل في بيروت.
وبعد التدقيق، تبيّن أنّ الجهات الداعية إلى هذين التحرّكين لم تتقدّم بعلم إلى محافظ بيروت، وفقًا للأصول، للبتّ بالإجراءات التنظيمية اللازمة بناءً على مقترحات قوى الأمن الداخلي، وذلك تطبيقًا لقرار وزارة الداخلية والبلديات رقم 1024 تاريخ 29 آذار 2006.
لذلك، وانطلاقًا من حرص وزارة الداخلية والبلديات على حماية الاستقرار الداخلي، وفي ظل دقّة المرحلة التي تتطلّب وعيًا عاليًا ومسؤولية وطنية، تُعلن الوزارة عدم السماح بإقامة أيٍّ من هذين التحرّكين، لمخالفتهما القرار المذكور، وتُكلّف محافظ بيروت وقوى الأمن الداخلي تنفيذ مضمون هذا البيان على أن يجري التنسيق اللازم مع الجيش اللبناني عند الاقتضاء”.
إلى ذلك، عبّر السفير الأميركي ميشال عيسى خلال لقائه البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في بكركي، عن دعمه له، مشيرًا إلى أن “لبنان بلد العيش المشترك ومَن قاموا بهذا العمل يروحوا يشوفوا بلد يعيشوا فيه غير هون”.
وقال: “سأزور رئيس مجلس النواب نبيه برّي اليوم ولا قرارات في عوكر والمعادلة ليست إما لقاء عون نتنياهو أو الحرب”.
كذلك، أكد عيسى أن “زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى أميركا ستسمح بوضع طلبات لبنان على الطاولة وأميركا تريد الحفاظ على استقلال وشرف واقتصاد لبنان”.
وأضاف: “لقاء الرئيس عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليس خسارةً للبنان أو تنازلًا و”شو نتنياهو بعبع”؟
وفي هذا السياق، عقد مجلس الوزراء برئاسة نواف سلام اجتماعًا في السراي لمتابعة التطورات العسكرية وملف النزوح، إضافةً إلى تصاعد خطاب الكراهية على وسائل التواصل. وتم التأكيد على أن ما يتجاوز حرّية التعبير يندرج ضمن الملاحقة القضائية، بالتوازي مع إطلاق حملات توعية بالتعاون مع جهات دولية.
كما بحث المجتمعون الوضع الأمني، بما فيه إطلاق النار العشوائي، والتطورات على الحدود وإعادة تموضع الجيش، إلى جانب سبل تعزيز الإغاثة للنازحين، مع التشديد على أهمية إقرار قانون الإعلام للحدّ من خطاب الكراهية.
مواضيع ذات صلة :
الراعي بحث والكاردينال ستورلا في الاوضاع الراهنة | الراعي: نحلم بوطن يكون فيه القانون فوق النفوذ | الراعي: نصلي لتنجح المفاوضات… الناس سئموا لغة الحرب والتهديد |




