لبنان يتمسك بخيار التفاوض… وواشنطن تستقبل الرئيس عون لتثبيت متانة الشراكة القائمة بين البلدين

يقف لبنان بين تطورات إقليمية مهمة وخطيرة لا سيما بعد تجدد الضربات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنّ “مذكرة التفاهم مع إيران انتهت ووقف إطلاق النار انتهى”. ويأتي ذلك عشية الحديث عن تجدد المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، ما يعني أنه قد تكون للحدث الإقليمي العسكري الجديد انعكاسات سلبية على وضع الجنوب اللبناني لجهة استمرار الجيش الإسرائيلي في رفض الانسحاب حتى من المناطق التجريبية التي جرى تحديدها وإمكانية مشاركة “حزب الله” في النزاع المتجدد بين طهران وواشنطن على غرار المرات السابقة التي خاض فيها حروب إسناد لـ”ولي أمره” أقحمت لبنان بخسائر هو بغنى عنها. وعلى هذا الأساس، لا تبدو معركة لبنان محصورة بمنع الانزلاق إلى حرب لا يملك قرارها، بل تمتد إلى تثبيت مسار سياسي ودبلوماسي مواز، تقوده الدولة عبر علاقاتها الدولية ولا سيما تجاه واشنطن.
توازياً، كان لبنان الرسمي يبدي قلقاً من الإعلان عن الجولة المقبلة للمفاوضات في روما بدل واشنطن في 15 و16 تموز الجاري، خصوصاً أنه ترافق مع كلام عن إمكان غياب الراعي الأميركي، وجعل التفاوض ثنائياً، وهو التطور الذي تحفّظ عليه لبنان، ولوّح بعدم المشاركة، قبل أن يتلقى تأكيداً أميركياً بالثلاثية وحضور الوسيط الأميركي، ومعالجة بعض النقاط العالقة قبل الموعد المحدد.
وأفاد مصدر ديبلوماسي لبناني لوكالة فرانس برس، بأنّ لبنان اشترط انسحاب إسرائيل من منطقتين تجريبيتين للمشاركة في مفاوضات روما.
وبحسب المصدر، فإنّ الخارجية الأميركية أبلغت الوفدين المفاوضين أنّ “التوصل إلى الاتفاق الإطار هو نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة، وأنه بحسب تقاليدها لا يمكنها استضافة المفاوضات بشكل دائم”. وقال إنّ “جوهرية ما سيُناقش خلال المرحلة المقبلة توصّلاً لاتفاق نهائي بين البلدين، يقتضي عودة المفاوضين إلى مراجعهم السياسية للتشاور، وهذا أمر غير ممكن في حال مواصلة عقد المفاوضات في واشنطن، لبعد المسافة الجغرافية عن مركزي القرار في البلدين.
وقال المصدر إنّ اتصالات مع واشنطن أثمرت الحصول على ضمانات لناحية إبقاء واشنطن “على مستوى الانخراط ذاته في التفاوض وعلى السياسة المتبعة في إدارة التفاوض” في محادثات روما، والتي لم يعلن لبنان بعد رسمياً مشاركته فيها، بانتظار “انسحاب إسرائيل من أول منطقتين تجريبتين”.
على صعيد متصل، أعلنت سفارة لبنان في واشنطن في بيان، أن البيت الأبيض وجّه دعوة رسمية إلى رئيس الجمهورية لزيارة واشنطن واللقاء بالرئيس الأميركي في 21 تموز الجاري.
وبحسب البيان، “تعكس هذه الدعوة متانة الشراكة القائمة بين لبنان والولايات المتحدة، وتتيح فرصة للرئيسين لبحث القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك العلاقات الثنائية، والأمن الإقليمي، واستمرار الدعم الأميركي لسيادة لبنان واستقراره ووحدة أراضيه ومؤسساته الرسمية”.
وأشار البيان إلى أن “هذه الزيارة تأتي عقب فترة مكثّفة من الجهود الدبلوماسية التي اضطلعت بها سفارة لبنان في واشنطن، بالتنسيق الوثيق مع رئاسة الجمهورية اللبنانية وكبار المسؤولين في الإدارة الأميركية. وخلال هذه المرحلة، عملت السفارة على تعزيز الحوار الثنائي على أعلى المستويات، وتسهيل الترتيبات التي أفضت إلى هذه الزيارة الرسمية”.
وأكدت السفارة أنها تنسّق جميع جوانب زيارة عون بالتعاون الوثيق مع رئاسة الجمهورية والبيت الأبيض ووزارة الخارجية الأميركية لضمان نجاح اللقاء الثنائي.
أما الرئيس عون، فقد قال أتوقّع “أن تحمل زيارتي المرتقبة إلى واشنطن ولقائي مع الرئيس ترامب إيجابيات للبنان، لأنّها تترجم الاهتمام الأميركي غير المسبوق بلبنان، ودعم الولايات المتحدة لمسار إيجاد حل دائم لسلسلة الحروب الغارات الإسرائيلية على بلدنا، وتحقيق الاستقرار في كامل منطقة الشرق الأوسط”.
وأضاف الرئيس عون، أمام زواره أمس: “اخترت المفاوضات لأنّه لا يمكنني أن أقف متفرّجاً على وطني وهو يُقاد إلى الهاوية خدمة لمصالح بلد آخر، وكان عليَّ أن أقوم بخطوة بإمكانها وقف آلة الدمار والإبادة الإسرائيلية، والحدّ من الخسائر في الأرواح والقرى، وإزالة الاحتلال في نهاية المطاف”.
ولفت إلى أنّ “هذه الخطوة تلقى دعم غالبية اللبنانيّين وبينهم من الطائفة الشيعية، التي دفعت الثمن الأكبر للحروب في الجنوب. نحن مستمرّون في القرار الذي اتخذناه، وأدعو اللبنانيّين إلى الحفاظ على إيمانهم بلبنان، لأنّني على يقين أنّ الأمور تتّجه باتجاه الأفضل، على الرغم من العراقيل والصعوبات، ولا شيء مستحيل في قاموسنا”.
إلى ذلك، علمت “نداء الوطن” أن السفير الأميركي لدى لبنان، ميشال عيسى، يزور اليوم رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون في بعبدا، لتسليمه الدعوة الرسمية لزيارة واشنطن، تمهيدًا للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الحادي والعشرين من تموز الجاري. وقال مصدر دبلوماسي إن “الزيارة تكتسب أهمية استثنائية لكونها ستشهد أول لقاء بين الرئيسين، ما يتيح للرئيس عون عرض رؤية لبنان حيال التحديات التي يواجهها، وفي مقدمها تداعيات الصراع اللبناني الإسرائيلي، مع التأكيد على الحاجة إلى دعم أميركي حاسم لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وتأمين عودة الأسرى، ودفع مسار إعادة الإعمار وعودة النازحين، بالتوازي مع تثبيت الأمن والاستقرار المستدام على الحدود الجنوبية”.
وحول موقف حزب الله اعتبر الشيخ نعيم قاسم، أمين عام الحزب، في كلمة ألقاها تزامناً مع تشييع المرشد الإيراني الأعلى السابق علي خامنئي، أن “اتفاق الإطار الذي عقدته السلطة اللبنانية يصبّ بالكامل في مصلحة إسرائيل، ويتضمّن مخالفات عدة”.
وأكد أن “هذا الاتفاق لن يمرّ منه أي بند، ولن تتمكنوا من فعل شيء”، مضيفًا: “يقول رئيس الجمهورية: دلّوني على خيار. ونحن نقول له إننا نقبل بالتفاوض غير المباشر، وندعوه إلى مراجعة تجارب أصحاب الخبرة، ومنهم الرئيس بري”.
وفي السياق، أوضح مصدر رسمي لـ”الجمهورية” أنّ: “خيارنا إنهاء الحرب وعدم العودة إليها، والشريحة الواسعة من اللبنانيّين من الطوائف والفئات ترفض خيار الحرب، فيما حزب الله منعزل عن الواقع، وماضٍ في خياراته التي عبّر عنها في الإسنادات التي قام بها، وفق أجندة خارجية معروفة، جرّت على اللبنانيّين، والجنوبيّين خصوصاً، أثماناً تدميرية هائلة في قراهم وممتلكاتهم، ونزوحاً لعشرات الآلاف من أبناء الجنوب، والآلاف من الضحايا الذين سقطوا جرّاء حرب لا تعني اللبنانيّين من قريب أو بعيد. حالة النكران التي يعتمدها لا تغيّر في حقيقة المأساة التي جرّها على لبنان. نحن اخترنا مسار الحل وإنهاء الحرب، وهو اختار مسار التعطيل، وخياره هذا لن يُثنينا عن المضي قدماً في الخط الذي انتهجناه لاستعادة الدولة وحصر السلاح ووقف الحرب بصورة نهائية وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي”.




