وثائقي “العودة إلى الفضاء”… إيلون ماسك يصنع التاريخ على الشاشة

فن 4 آب, 2022

تصل سيارة تسلا بيضاء، تحمل رمز وكالة ناسا الأميركية، إلى محطة إطلاق المركبات. يتحدّث إيلون ماسك عن تفوّق روسيا على أميركا، وعن أنّه سيُغيّر المعادلة. تنطلق مركبة بيضاء، تحمل ربابنة يلبسون الأبيض. تطير المركبة الفضائية، لاستكشاف عوالم أخرى. يجري ذلك أمام بطل “العودة إلى الفضاء”، الذي يرفض أنْ يضطّر الربابنة الأميركيون تعلّم اللغة الروسية، لركوب مركبات فضائية روسية.

هذا وثائقي إخباري كثيف. بسبب كثرة المعلومات، لا يحتاج الإخراج إلى أي حيلة أسلوبية لملء الفراغ، في ساعتين من “العودة إلى الفضاء” (2022، Return To Space) لإليزابيت تشاي فِسِرْهَلي وجيمي تشين. هذا عمل فني عن شخص حيّ ومشهور، يصنع التاريخ. ما الذي يُمكن لعمل فني أنْ يُقدّمه أو يضيفه، عن شخصٍ تتحدّث عنه كلّ وسائل الإعلام العالمية، يومياً؟

إيلون ماسك ينتقد جو بايدن. يُنجب 9 أطفال. أرباح سيارات “تيسلا” الكهربائية ترتفع، وتُهدّد دول النفط، ثم تتراجع. ماسك يسيطر على سوق إرسال الأقمار الصناعية إلى الفضاء، ويُنفق مئات ملايين الدولارات الأميركية لتمكين أشخاصٍ من مغادرة كوكب الأرض أحياءً، بفضل صاروخ “فالكون 9″، لأنّ فيه 9 محركات، تحقّق 28 ألف كلم/الساعة. “تويتر” يرفض أنْ يشتريه إيلون ماسك، الذي يفحص الحسابات المزيّفة في قلب “تويتر”، ويتراجع عن شرائه. “تويتر” يتقدّم بدعوى ضد ماسك.

مع أخبار كهذه، كيف ستبدو أخبار حرب أوكرانيا، والنزاعات من أجل الماء والخبز والبنزين؟ هذه صارت أخباراً عادية، وفَقَدت جاذبيتها. صارت معلومات عادية، بينما خبر صاروخ الإطلاق يعود إلى الأرض بفضل مظلاّت إنزال خاصة. هذا مُثير. صاروخ يُمكن استخدامه ثانيةً. هذا ما لم تستطع “ناسا” فعله. كانت تفقد في كلّ عملية إطلاق صاروخ 400 مليون دولار أميركي. هذه أرقام وإنجازات مدهشة. هذه أخبار تستحق الدفع لمُشاهدتها. أرقامٌ غريبة لكلّ من يقرأها، ويملك الشجاعة لمقارنتها بـ”كَمْ في جيبه”؟ مع كلّ هذه المعلومات عن ماسك، ما الجديد في الفيلم؟

حياةٌ تُصبح درساً حقيقياً في التنمية البشرية. لكلّ حالم بأنْ يملك، يوماً، جزءاً صغيراً مما يملكه ماسك، درسٌ يُشبه ذاك الذي قدّمته حياة بيل غيتس في البحث والإبداع، عندما قرّر ألّا يبيع برنامج “ويندوز”، بل أنْ يحصل على عمولة كلّما حُمّل البرنامج في حاسوبٍ ما، وإلى الأبد. مارك زوكربيرغ حَوّل تطبيقاً صغيراً إلى منصّة عالمية. إيلون ماسك أول من وصل إلى مرحلة ثقة، سمحت له بالسخرية من غيتس، مع أنّ مُنجَر غيتس أعظم.

ماذا تقول حياة إيلون ماسك؟

إنّه نموذج بطل حي. في كلّ مرحلةٍ، يسأل: “ماذا بعد؟”. هكذا يتطوّر ويتعايش مع الفشل، الذي لا يعتبره نهاية، بل يُصنّفه كمرحلة للتجاوز. تتوالى لقطات الفضاء، ويحلم بإنسان متعدّد الكواكب، لا يعيش على الأرض فقط. الصُوَر التي يعرضها الوثائقي عن الفضاء حقيقية، لكنّها لا تبلغ جمالية صُور “أوديسا الفضاء 2001” (1968) لستانلي كوبريك. بعد نصف قرن على انقطاع أميركا عن زيارة القمر، وعلى فشل “ناسا” منذ انفجار مركبة “تشالنجر” عام 1986. بعدها، صارت “ناسا” تدفع للروس لنقل روّاد أميركيين إلى محطة فضائية. أي إهانة؟
ماسك لا يقترح، بل يُنفِّذ. بهذا، غيَّر المنهجُ معادلات كثيرة.


يتناول فيلم “نتفليكس” (العودة إلى الفضاء) موضوعاً نخبوياً علمياً، والمنصّة تُبسِّطه للجمهور. مثلٌ للمقارنة: “ناسا” تُجري أبحاثاً نظرية، ثم تنتقل إلى الهندسة التطبيقية. تصنع صاروخاً فضائياً، ثم ترميه. لذا، كلّفها كلّ رائد فضاء أميركي مليار دولار، بينما يبني ماسك الصاروخ أثناء بحثٍ يمزج النظرية بالتطبيق. الجديد أنّ صاروخ ماسك قابل لإعادة الاستخدام، ما يُخفّض الكلفة مائة مرة. حرّر الأميركيين من الحاجة إلى الروس، للاستمرار في اكتشاف الفضاء. يحضر ماسك أيضاً في سلسلة Countdown: Inspiration 4 Mission To Space، سلسلة وثائقية في 5 حلقات (“نتفليكس”، 2021، 240 دقيقة)، لجايزون هير.
هذا نجاحٌ مُدوّ ومفاجئ تماماً. المفاجآت سيّدة الفن والتاريخ. شبّهها نسيم طالب ببجعة سوداء، تقتحم المشهد وتُغيّره (“البجعة السوداء: تداعيات الأحداث غير المتوقعة”، ترجمة حليم نسر نصر، “الدار العربية للعلوم- ناشرون”، بيروت، الطبعة الأولى، 2009).
قراءة حياة إيلون ماسك في هذا الكتاب توضح أنّ بجعة سوداء صغيرة تسلّلت إلى كلّ مشهد. بجعة تُذكِّر بالراقصة التي قلبت المشهد، في “البجعة السوداء (Black Swan)”، لدارِن أرنوفسكي (2010).
بعد نصف قرن على آخر زيارة إلى القمر، مَلّ البشريُّ الغنيُّ الأرضَ، وقرّر الانتقال إلى الفضاء الخارجي. هذا مطلب غريب لمن يقاتل ليأكل، ويبقى حيّاً وهو يراقب ثمن الغاز والقمح. مطلب غريب يقوده شخص خطّط لشراء “تويتر” بميزانيات بلدان عدّة، يُتابعه عشرات الملايين من دون أنْ يرقص أو يتعرّى. شخص غنيّ، صنع ثروة رقمية بذكائه، ومَوّل شركة “سبايس إكس”، وجعل القطاع الخاص يدخل عالم غزو الفضاء.
بهدف فهم الهوة الضوئية بين الانشغالين، “الخبزي” (تعبير مغربي، يعني المحدود والبسيط) والفضائي، يُقدّم كتاب نسيم طالب تفسيراً لكثيرٍ مما يجري حالياً، ولم يتوقّعه أحد. يُميّز الكاتب بين اقتصاد غلوائستان (بلد العباقرة) واقتصاد وهدائستان (بلد ميديوكريستان). في غلوائستان، تهيمن ديناميكيات اللامؤكد، لذلك تقع أحداثٌ خرقاء نادرة، قياساً إلى الماضي في صناعة الثروة.
تنطبق خطاطة كتاب “البجعة السوداء” على تجربة مؤسّسي “ميكروسوفت” و”فيسبوك” و”غوغل” و”أمازون”. لم يتوقّع أحد نجاحهم المدوّي. هكذا يطرح الكتاب إطلالة عميقة على نمط تفكير غير تقليدي، يستشرف المستقبل أكثر مما يقيس الحاضر والمستقبل على ماضي السلف. كتاب عن الغموض والمفاجآت والأحداث النادرة، التي يصعب توقّعها. إنّها تجري اليوم.

ما مصدر نجاح ماسك؟

تتلخّص وتتوحّد في حياته ومنهجه نظرة جديدة للكون، تمزج بين التعلّم والمغامرة. سيحتاج المؤرخون إلى وقتٍ طويلٍ لكتابة هذا، لكنّ الوقائع تقوله في هذا الزمن الذي تهيمن السوداوية والشكوك على عقول الشباب خاصة، ما يجعل مُربّي الأجيال الصاعدة في محنة.
توفّر حياة إيلون ماسك قدوة، يعرضها المعلّمون على تلامذتهم، تُقدّم كلّ عناصر الخطّاطة الذهنية للحالمين، الذين لا يكرهون الناجحين الأغنياء.
من هو الأب الذي لا يحلم أنْ يكون له ابن أو ابنة ناجحين، مثل إيلون ماسك؟

المصدر: العربي الجديد

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us