إلهام المدفعي يحيي عيد الحب في هولير… رحلة موسيقية بين الذاكرة والحداثة

فن 15 شباط, 2026

منذ بداياته في ستينيات القرن الماضي، تميّز المدفعي بأسلوب يمزج بين المقامات العراقية التقليدية والإيقاعات الغربية، معتمداً الغيتار آلة رئيسية في أعماله، وهو خيار كان جريئاً في ذلك الزمن. ولم يكن هذا المزج مجرد تجربة عابرة، بل تحوّل إلى مشروع فني متكامل أسّس لهوية موسيقية جديدة، جعلت أعماله قادرة على العبور بين الثقافات.

وُلد المدفعي في بغداد في بيئة منفتحة على الفن والثقافة، وتأثر في شبابه بأنماط الروك والجاز، لكنه ظل مشدوداً إلى التراث العراقي. هذا التوازن بين المحلي والعالمي رسم ملامح مسيرته اللاحقة، خصوصاً مع انتقاله إلى الخارج في مراحل مختلفة من حياته، حيث اكتسب خبرات موسيقية وتقنية جديدة، مع حرص دائم على إبقاء الروح العراقية في صلب أعماله.

في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تبلورت ملامح مشروعه بوضوح أكبر، إذ أعاد توزيع أغانٍ تراثية عراقية بأسلوب حديث، ما أتاح لها الوصول إلى أجيال جديدة داخل العراق وخارجه. ولم يكن هدفه تحديث الصوت فحسب، بل تقديم التراث بوصفه مادة حية قابلة للتجدد، وهو ما نال تقديراً واسعاً من الجمهور والنقاد على حد سواء.

حضور عالمي ورسالة ثقافية

تميّزت مسيرة المدفعي أيضاً بحضوره على المسارح العالمية، حيث قدّم حفلات في مدن أوروبية وعربية، وأسهم في تعريف الجمهور الدولي بالموسيقى العراقية. وكان صعوده إلى المسرح يحمل دائماً رسالة ثقافية مفادها أن الموسيقى لغة تتجاوز الحدود السياسية والجغرافية، وتقدّم صورة إنسانية وإبداعية عن العراق.

أمسية هولير… ذاكرة مشتركة

حملت عودته إلى هولير في عيد الحب دلالة رمزية خاصة، فالمدينة التي باتت مركزاً ثقافياً مهماً في المنطقة استقبلت فناناً يمثل جزءاً من الذاكرة الموسيقية المشتركة للعراقيين. ومنذ اللحظات الأولى، بدا واضحاً حجم الترقب، إذ حضر جمهور متنوع الأعمار لاستعادة أغنيات ارتبطت بذكريات شخصية وجماعية.

على المسرح، ظهر المدفعي محتفظاً بهدوئه المعروف وحضوره الدافئ، متنقلاً بين الأغاني التراثية التي أعاد توزيعها وأعماله الخاصة. ورغم مرور السنوات، ظل صوته محتفظاً بنبرته الحميمية التي عُرف بها، فيما أضفت أحاديثه بين الأغاني، واستعادته لبعض محطات رحلته، طابعاً إنسانياً قريباً من الجمهور.

تفاعل يتجاوز الزمن

أحد أبرز جوانب تجربة المدفعي هو قدرته على تحويل الحفل إلى مساحة تواصل حيّ. لم يكن الجمهور مجرد متلقٍ، بل شريكاً في الغناء والتفاعل، إذ ردّد كثيرون الكلمات عن ظهر قلب، في مشهد يعكس كيف أصبحت أغانيه جزءاً من الذاكرة الشعبية.

ويُنظر إلى المدفعي بوصفه رائداً في تحديث الأغنية العراقية، حيث ينسجم استخدامه للغيتار مع المقام الشرقي ليخلق صوتاً مميزاً أصبح علامة فارقة في أعماله. كما أظهر اهتمامه بالتوزيع الموسيقي وعياً مبكراً بأهمية الإنتاج المتكامل، فجاءت تسجيلاته متقدمة قياساً بزمنها.

إلى جانب الموسيقى، لعب المدفعي دوراً ثقافياً أوسع، إذ قدّم نموذج الفنان الذي يحمل تراث بلاده إلى العالم من دون الوقوع في فخ التبسيط أو الاستشراق، مساهماً في بناء جسور فهم بين الشعوب.

أكثر من حفل

في ختام الأمسية، وقف الحضور مصفقين طويلاً في لحظة تقدير لفنان لم يكن مجرد مغنٍ، بل جزءاً من ذاكرة جماعية. ولم تكن عودة إلهام المدفعي إلى المسرح في هولير مجرد حدث فني، بل تذكيراً بقوة الموسيقى على جمع الناس حول مشاعر مشتركة.

في عيد الحب، حيث يُحتفى بالعاطفة والإنسانية، قدّم المدفعي درساً جديداً: أن الفن الصادق قادر على تجاوز الزمن، وأن الهوية الموسيقية حين تُبنى على الجذور والانفتاح، تصبح لغة عالمية يفهمها الجميع.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us