ما بين الحاكم والحكام

أخبار بارزة, لبنان 18 أيار, 2021

كتبت فيوليت غزال البلعة في موقع “العربية”:

سرقت أحداث غزة والمسجد الأقصى اهتمام المجتمع الدولي واستدعت عقد اجتماع افتراضي طارئ لمجلس الأمن وآخر لمنظمة التعاون الإسلامي بحثا عن تسوية تكفل آلات التدمير العسكرية، وأعادت ملف الخطوط المفتوحة بين بعض عواصم المنطقة إلى المربع الثاني رغم وجود مؤشرات تؤكد على تغيير حتمي في خريطة التحالفات والصداقات كما العداوات.

رغم هذا المشهد الطارئ الذي فجّر ملف القضية الفلسطينية مجددا، وفتح خاصرة لبنان الرخوة على صواريخ محدودة بلغت مداها الإسرائيلي وإن من دون أضرار، أُضيف بند متوتر جديد على الأجندة اللبنانية التي باتت مأسورة بشعار “التعطيل الحكومي” رغم تفرّعها أزمات جوع وفقر وبطالة وهجرة، وذلك تحت أعين مجتمع دولي بلغ حافة اليأس من محاولات كررتها دول صديقة بغية حل معضلة ضلّت طريق النجاة، علما أنها لا تحتاج إلا إلى قرار وإقرار بأن الإنقاذ يأتي أولا من الداخل.

“رغم الانهيار في لبنان… الأرقام تنذر بالأسوأ”. عنوان يكاد يتصدّر معظم أخبار الداخل اللبناني، بحيث يصف أحوال اللبنانيين وفقا لقواعد جديدة أرستها انعكاسات التقهقر الاجتماعي بقوة “الزمن القاهر”، وفرضت تغييرا في سلوك الكثير منهم، بدليل المشاهد التي تنقلها الوقائع اليومية من كواليس أكثر من سوبر ماركت وشارع ومحطة وقود، تزاحما على علبة حليب أو قنينة زيت أو تنكة بنزين!

رغم الانهيار وما تحذّر منه الدراسات والتقارير المحلية والعالمية، تبقى السلطة اللبنانية، حكما وحاكمين، في “كوما” غير آبهة بدولار استقرّ بعد تفلّت طويل في انتظار بدء مهمة منصة “صيرفة 2” التي تستهدف عن تضييق دائرة المضاربات وقفل مزاريب التهريب، ولا باستنزاف سياسات الدعم احتياطات مصرف لبنان وملامستها الخطوط الحمر (ودائع اللبنانيين) على وقع “فيتو” يضعه “حزب الله” ورئيس الجمهورية تجنبا، وفق أوساطهما، لتفجر الأوضاع في “عهديهما”.

وما بين النارين، نار الدعم ونار رفعه أو ترشيده، تبقى نغمة “اعتذار سعد الحريري” بين النفي والأمل، لتبقي الأفق مقفلا أمام تشكيل أي حكومة جديدة، فيما حكومة تصريف الأعمال في إجازة طويلة تشهد على الانهيارات المتتالية، وتكتفي بالتنظير وإصدار “الأوامر” من أن تطأ رجلا رئيسها أو أي من وزرائها أرض المعركة اليومية. حتى إن رئيس الحكومة حسان دياب لا يرى مبررا طارئا لعقد اجتماع وزاري لمواجهة استحقاقات داهمة، منها قصير الأمد مثل ملف الدعم وتفرعاته أي أزمات البنزين والمواد الغذائية والاحتكارات والتهريب إلى الخارج إضافة إلى ملف الكهرباء المفتوح على عتمة مقبلة قريبا، من دون إغفال أزمة التصدير إلى السعودية بعد افتضاح تهريب الممنوعات، ومتوسط الأمد مثل إقرار مشروع الموازنة العامة ووقف الفوضى المالية التي تعبث بالأداء الرسمي، وطويل الأمد مثل ملف ترسيم الحدود وعدم تفويت الفرصة لإفادة لبنان من ثروته الغازية وانضمامه تاليا إلى نادي الدول المنتجة للنفط.

تردد أخيرا أن رئيس الجمهورية سيتوجه بـ”كلمة مصارحة” إلى اللبنانيين قريباً يحدد فيها موقفه من القضايا الاجتماعية والحقوقية إلى ملف ترسيم الحدود والتدقيق الجنائي والحكومة. لكن، فات الرئيس ميشال عون أن مواقفه لن تستوقف مواطنين يذوقون يوميا مرارة الذل لحظة يخرجون من منازلهم أو حين يعودون إليها، وهم لا ينتظرون مواقف لأنهم يعيشونها، بل يتطلعون إلى مخارج لأزمات ما كانوا يحلمون يوما بمواجهتها. فهل سيطلق عون الصدمة الإيجابية المنتظرة لإحداث تحوّل جذري إيجابي في مسار الأزمات؟ وهل سيتكفل بتصويب أداء يمكن أن يعيد إنعاش السياحة الآتية بدولارات من الخارج في موسم يعتبر الرافعة السنوية للناتج القومي الإجمالي، أو يتعهد بإعادة الـ40% من مؤسسات القطاع التجاري التي أقفلت نهائيا؟

حتى اليوم، لا حركة على الأرض باستثناء ما يسعى إليه حاكم البنك المركزي رياض سلامة، رغم استمرار الحملات الشعبية والقانونية والرسمية التي تستهدف قطع طريق قصر بعبدا عليه. وبمعزل عن الضرر الشامل الذي يطول لبنان واللبنانيين والاقتصاد والليرة والمصارف، تستمر الحملات المركزة، فيما يستمر سلامة بدوره لتحقيق أهداف قد لا تُقرأ على نحو صحيح وعلمي اليوم، لكنها حتما ستتضح وفقا للنتائج إن لم يتم تعطيلها. في الهدف الأول، يستهدف سلامة دعم اللبنانيين “المحتاجين” فعلا عبر سياسة ترشيد ذكية وبطاقة تمويلية هادفة بدل ترك الغارب مفتوحا أمام إهدار دولارات الدعم خدمة لبعض من المحتكرين والتجار والمهربين. وفي الهدف الثاني، يتطلع إلى إعادة حصانة الليرة وانتشالها من سوق سوداء تتحكم فيها المضاربات والسياسات الكيدية والعقوبات، ليعيد بعضا من قوة للقدرة الشرائية ويضبط التضخم المفرط الذي يهدّد بفرط الأمان الاجتماعي والمعيشي. أما الهدف الثالث، فيتعلق باستعادة الثقة التي جهد سلامة طويلا لإرسائها بنظام مصرفي ومالي، مستهدفا تقسيط قسم من الودائع بما يفكّ طوق العزلة عن المصارف وتاليا عن حلقة الاستهلاك الداخلي التي تراجعت إلى أدنى درجاتها.

وفي انتظار تبيان النتائج، يبقى خيط التفاؤل ضعيفا نظرا إلى تجارب سابقة وحالية، حيث “الرمادية لا تزال سيدة الموقف سياسيا، فيما يهتز المشهد الأمني على وقع أحداث غزة وصواريخ المخيمات وتظاهرات الحدود. ويفترض الإقرار بأن مبادرات سلامة هي معالجات مرحلية لأزمات بعيدة الأمد، ويمكن اعتبارها جسر عبور آمن نحو شاطئ أمان يحتاج حتما إلى مواكبة سياسية قادرة على إهداء اللبنانيين حكومة إصلاحية كفوءة ومستقلة كليا عن أحزاب السلطة، تدرك طريق الخلاص التي تبدأ من فتح باب التفاوض الجدي مع صندوق النقد لضخّ دولارات طازجة وفقا لبرنامج إصلاحي شفاف لا يتذاكى على مجتمع دولي كشف مراوغة السياسيين اللبنانيين، ووضعهم في قفص الاتهام لمرة أخيرة قبل إصدار الأحكام النهائية… بالعقوبات!

قدّم الحاكم رياض سلامة حتى اليوم، خارطة طريق جديدة خدمة لمواطن مغلوب على أمره ومحكوم من أهل بيته. وفي الجعبة الكثير بعد. لكن النجاح مشروط بعدل حكام غير محكومين بأجندات خاصة وارتباطات ورهانات خارجية.

العربية

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us