بابا الحبّ قريبًا بيننا… ها هو الآتي باسمِ السلام والرجاء!

“لبنان يريد السلام، بابا السلام”، “طوبى لفاعلي السلام”… عباراتٌ ارتفعت في جنباتٍ كثيرة، وطغى الأصفر الجميل، أصفر الفاتيكان، أصفر السلام والقوة الروحانيّة لا ذاك الأصفر الباهت الذي ما عاد يرمزُ، في لبنان، إلا إلى الحروب والموت والمواجهات غير المتكافئة. ما لنا بالأصفر الثاني. أصفر الفاتيكان سينشلنا ولو ليومَيْن من سيناريوهات سوداء تحوم فوق رؤوسنا. فلنعش هذَيْن اليومَيْن بالقلب والنبض والروح والإيمان الكلّي أنّ الآتي لا بُدّ أن يكون أفضل. فماذا ينتظرنا في اليومَيْن المقبلَيْن؟
كتبت نوال نصر لـ”هنا لبنان”:
ننتظره على نار. وكيف لا، وهو الآتي بكلمتَيْن مرتجتين: سلامٌ ورجاء. بعد ظهر يوم الأحد، في الثلاثين من تشرين الثاني هذا، تهبط طائرته في مطار رفيق الحريري الدولي. ستكون السماء تُمطر. ودموع كثيرة من لبنانيين يعانون الأمرَّيْن على كلّ الأصعدة ستُمطر تأثّرًا أيضًا. سيكون يومًا آخر يستحق أن يدخل كتب التاريخ. تحليلات كثيرة قد تلي لكن الأكيد أنّ ما بعد مغادرة البابا لاوون الرابع عشر أرض لبنان لن يكون كما قبلها. من ينذروننا بحرب داحس والغبراء يَعِدون ومن يؤمنون بأنّ بركات قداسته ستحلّ يَعِدون بشيءٍ آخر مختلف تمامًا. ننتظر ونرى.
كلّ لبنان يتحدث عن البابا الآتي. هو زار قبلنا تركيا، التقى الرئيس رجب طيب أردوغان، وضع إكليلًا على ضريح مصطفى كمال أتاتورك، وتقصّد زيارة بلدة “إزنيق” التركية المتواضعة، التي عُرفت زمان باسم “نيقية”، إحياءً للذكرى 1700 لانعقاد “مجمع نيقية” الأول عام 325 ميلاديًا. هناك، في “نيقية”، وُضعت أسس اتفاقية جوهر الإيمان “قانون الإيمان النيقاوي” الذي أصبح مرجعًا رئيسيًّا للمسيحيين حول العالم. قصّة طويلة تاريخية جميلة. ثمة مسيحيون في تركيا. اليوم باتوا أقلّ بكثير لكن لا تزال نسبة قليلة موجودة هناك. البابا مرّ وبارك المسيحيين والمسلمين.
قبل أعوام، يوم زار بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق بشارة الراعي أنطاكيا التركية كنّا معه وسُئلنا مرارًا من أتراك: هل هذا هو البابا؟ اليوم زار قداسته تركيا. يوم زيارة البطريرك الراعي عرفنا أن لا موارنة حيث كرسيه البطريركي في أنطاكيا. هناك في مرسين 120 شخصًا. وفي إسكندرون 40 مارونيًا. وفي كلِ الدولة التركية أقل من ثلاثمئة ألف مسيحي من أصل أكثر من ثمانين مليون تركي. والمسيحيون، على اختلاف مذاهبهم، يُصلّون في أي كنيسة مفتوحة، لاتينية أو أرثوذكسية أو كاثوليكية. في إسطنبول وحدها أكثر من 400 كنيسة لكنّ غالبيتها مقفلة. وهناك كنائس تحولت إلى جوامع. مسيحيو تركيا – ومن تبقّى من موارنتها – يتذمّرون مُعتبرين أنّ الكنيسة أهملتهم بحجّة أنّه لم يبقَ موارنة في تركيا. القصة طويلة لكنّ زيارة البابا لاوون أعادت ضخّ فرحٍ فيهم وهي بمثابة رسالة سلام بين الطوائف.
فلنترك الأتراك يتابعون استقبال البابا. ولنعد إلى لبنان الذي تسري في أبنائه، في انتظار وصول البابا، قشعريرة فرحٍ جميلةٍ ظنّوا أنّهم فقدوها. هو يأتي في وقتٍ صعب. سيُستقبل بـ21 طلقة مدفعية . هو قرّر الحلول في لبنان الرسالة في أول زيارة رسولية له إلى الخارج بعد انتخابه. هي زيارة محبة أبوية واحتضان روحي لشعبٍ حافظ على إرثه الروحي والثقافي. البابا فرنسيس كان قد وعدنا بالمجيء لكن صحته خانته ورحل قبل أن يفعل. وتأتي زيارة البابا لاوون بمثابة شعلة رجاء في زمن المحن. وكم يشعر اللبنانيون – والمسيحيون – بمحنة هذه اللحظة.
هناك طبعًا من يردّد ويقول: سيأتي ويذهب ولا شيء سيتغير. لا، هذا غير صحيح. زيارته ستحوّل أنظار العالم إلى بلادنا التعبة مؤكدةً لمَن يفقدون الأمل أنّ الكنيسة حاضرة لدعمهم. وأنّ لبنان حاضر في قلب الكنيسة. سيلتقي البابا لاوون الرؤساء الثلاثة وسيزور القديس شربل في عنّايا ومزار سيدة لبنان في حريصا ومستشفى راهبات الصليب في جل الديب وسيصلّي بصمتٍ وخشوع في موقع انفجار مرفأ بيروت وسيحتفي بقدّاس إلهي في واجهة بيروت البحرية.
الأعمال لا تزال تجري حتى اللحظة لاستقباله. تعليق علم الفاتيكان الأصفر جنبًا إلى جنب مع العلم اللبناني مستمرّ. ويافطات ترحيبية بالآتي من أجل إرساء السلام وتعزيز الرجاء. مشاهد كثيرة تُذكّرنا بالعاشر والحادي عشر من أيار عام 1997، يوم زارنا البابا يوحنا بولس الثاني وكم ناديناه: جان بول الثاني نحبك. يومها انتظرنا الكثير من الزيارة. واليوم ننتظر أيضًا. يومها أشرف المهندس دياب أيوب من “سوليدير” على تنفيذ التصميم العام لمكان القدّاس الكبير بمعاونة 12 مهندسًا. واليوم أيضاً تعمل “سوليدير” على تحضير المكان والاستعدادات على قدم وساق. منصّة ومذبح حيث سيقف البابا وجهه صوب الشمال الغربي وعن يمينه جبل صنين وكسروان وجبيل وموقع تفجير بيروت. أرواح الضحايا ستكون حاضرةً. سيكون قداسًا جامعًا يشارك فيه كلّ من لا يزال يثق بقدرة السماء وحضورها على هذه الأرض. والتوقّعات تشير إلى مشاركة أكثر من 120 ألف شخص في القداس الإلهي على واجهة بيروت البحرية. أنشئت في المكان مسالك تسمح للبابا بأن يعبر بين المشاركين في سيارته الخاصة “بابا موبيل” لينال الجميع، عن كثب، بركاته. وفي التفاصيل، رُفعت 14 شاشة في الباحة. وهناك ثلاثة آلاف متطوع. والأجهزة الأمنية كلها باتت جاهزة لهذا اللقاء الاستثنائي.
مغتربون كثيرون حجزوا تذاكرهم وتوافدوا إلى لبنانهم لرؤية الآتي باسم السلام والرجاء. وهو عبّر عن فرحه مثلهم “سعيد جدًّا بتمكّني من زيارة لبنان وسأكون سعيدًا جدًّا بتحية جميع الناس”. هو يعرف سوء الوضع الأمني القائم لكنّه أصرّ على القدوم إلى أرضٍ هي بِأَمَسِّ الحاجة إليه. هي رحلة حجّ يُقدر لها أن تترك بصمةً مضيئةً على مسيرة الكرسي الرسولي وعلى لبنان المنهك. يأتي البابا لاوون الرابع عشر الذي قدّم نفسه للعالم بأول الكلمات التي قالها يسوع بعد القيامة “السلام معكم جميعًا”. وكم نحن بحاجة اليوم إلى قيامة وسلام.
البلد ينغلُ بالاستعدادات لمجيء البابا لاوون الرابع عشر. هو حراكٌ جميل تمنّيناه فلبّى البابا النداء. ثمّة قصّة حبّ ستُكتب في اليومَيْن المقبلَيْن وستعزّز فصولها الأمل بالصمود والبقاء في شرق أوسطٍ مفتوحٍ على جراحاتٍ كثيرة. السماء ستُمطر يوم وصول البابا لكن، كما قيل، ستعود وتُشرقُ الشمس “بأعجوبةٍ” في يوم القداس الكبير. كلامٌ جميل يتكرّر على ألسنة المؤمنين. وهم، على عكس الشائعات، ليسوا بقليلين في بلدنا. ناسنا، اللبنانيون، الذين أحبوا البابا يوحنا بولس الثاني كثيرًا يشعرون اليوم بقربِ البابا الجديد منهم وينتظرونه على أحرّ من الجمر. فقدومه، في هذا الوقت بالذات، ليس صدفةً. ودلالاته بالغة الأهمية في تثبيتهم كرسالةٍ وتنوّعٍ في هذا الشرق. يا الله على الصدف السعيدة التي تتمّ. “فكلما ظننّا أنّ الحياة انسحبت من بين أناملنا، تأتي صدفة جميلة تجعلنا نُغير رأينا”.
نعم، الصدفة تسير أحيانًا بتوقيت القلوب، وقلوبنا تنشد رجاءً وسلامًا. ولبنان، في المنطق الفاتيكاني، بلد سلام، وهو ليس وحيدًا ولن يكون.
هناك من يُزايدون: لماذا لن يقصد البابا لاوون الرابع عشر الجنوب؟ ولماذا؟ ولماذا؟ هؤلاء، غير مدركين أنّه بمجرد نزوله أرض لبنان، وتقبيله حفنة من ترابه، يكون قد بارك كلّ مكان. زيارة البابا لبنان ليست عابرةً، فمكانة الفاتيكان كبيرة في العالم. وكلنا رجاء بها. يوم الإثنين سيكون لقاءً مسكونيًّا جامعًا لكل الأديان.
بعد ظهر الأحد، في الثلاثين من تشرين الثاني، تهبط طائرة البابا لاوون الرابع عشر أرض لبنان. قبله أتى بنديكتوس ويوحنا. وفي كلِ مرة نستشعر بوقعِ البابوات على أرضنا الطيبة. اللهمّ أن لا يتابع الشيطان لعب لعبه الخبيثة على هذه الأرض.
فرحٌ يجتاحُ البلاد الآن. ماذا عن الغدّ؟ اتركوا الغدّ ليومَيْن وعيشوا اللحظة. فالبابا لاوون الرابع عشر، رافع حمامة السلام بيده، بيننا. هي جرعةُ أوكسيجين قد تكون، وسط الضجيج المُزعج، لكن ربّ جرعة تُحيي. هي ساعات ستعيدُ الروح والتوازن إلى الشعب المقهور، المتعب، على اختلاف ملله. وكيف لا، وهو من ينادي بالأخوة وكرامة الإنسان وشفاء الروح والغفران والبدايات الجديدة الممكنة دائمًا.
“أنتم لستم وحدكم”. هذا فحوى زيارة رأس الكنيسة الكاثوليكية لنا. فافرحوا وثقوا وآمنوا بأنّ الحبّ يغلب في الآخر. أغمضوا عينًا وافتحوا أخرى تجدون بابا الحبّ والسلام والرجاء بينكم.




