القطاع بين الشرعي والسماسرة وارتفاع الرسوم… مكاتب استقدام العاملات: فليتعرّف “زبائننا” إلى حقوقهم!

فلنتّفق على أمر، ليست كل العاملات الأجنبيات اللواتي يعملنَ في بيوت اللبنانيين “ما بيِسووا”، كما ليست كلّ السيدات اللواتي يستقدمن عاملات أجنبيات لمساعدتهنّ “ما بيِسووا”. هناك “الطيبات” وهناك “السيئات”. وبين بين تطول القصة. فها نحن قد عبرنا إلى سنةٍ جديدةٍ، وما زالت الأزمة المالية بلا حلّ، وما زال اللبنانيون يئنّون تحت نير تضاؤل الدخل وتراكم الفواتير، وما زالت مفاعيل الحرب تلوح في سمائنا. في المقابل، واحدة من العُقد التي تبدو وكأنها تُفكّ هي أزمة عمالة العاملات الأجنبيات. فالعدد عاد ليرتفع. لكن، هل هذا كل شيء؟ ماذا عن مكاتب الاستخدام؟ ماذا عن فرار العاملات الذي بات تحت عنوان فرعي إلزامي: ترك العاملة البيت لا فرارها؟ وماذا عن حقوق أصحاب العمل الذين من النّادر أن يُطلّ مَن يقول عنهم: “بعض هؤلاء مظلومين كما بعض العاملات مظلومات!”
كتبت نوال نصر لـ”هنا لبنان”:
يحلو للكثيرين ترداد الكلام مثل الببغاء. وهذا الملف -ملف العمالة الأجنبية في البيوت- فيه “رغي” كثير. فالغالبية ينظرون إليه على أنّه يضم قويًّا وضعيفًا. وهم اعتادوا أن يُجاملوا “الأقوى” الظاهر، أما ربّ العمل -في هذا الملف تحديدًا- فيعتبرونه قويًّا على صنفٍ واحد من الضعفاء -العاملات الأجنبيّات- فيواجهونه باسم الإنسانية. والإنسانية طبعًا إنصاف على أن لا تُجزّأ. فلندخل في تفاصيل هذا الملف الذي يهمّ الكثيرين.
ثمّة من همس في أذن من استقدموا عاملة أجنبية -أو ينوون استقدام واحدة- الرسوم في شباط 2026 سترتفع. كلفة الإقامة السنوية ستُصبح 18 مليونًا بدل 13 مليونًا اليوم. خبر سيء. ومعلوم أن كلفة الإقامة التي تتجدّد سنويًا أصبحت في 28 شباط الماضي (2024) 13 مليونًا. يعني ما يعادل 145 دولارًا أميركيًا. الدولة التي حدّدت هذه التسعيرة ألغت رفع التكلفة التي كان منصوصًا عليها من قبل عند استقدام عاملة ثانية، فأصبح من يستقدم عاملة ثانية وثالثة يدفع مثل تكلفة الأولى، يعني، الدولة التي تبحث بالسراج والفتيلة عن ضرائب ورسوم قرّرت أن تريح الغني الذي يستقدم أكثر من عاملة، وعملت على إرهاق الإنسان الذي يضطرّ إلى التعاون مع عاملة بسبب وجود مسنّ في منزله أو حالة خاصة. إنّها خطوة سلبيّة انتهجتها الحكومة قبل عامَيْن. ماذا عن اليوم؟ أبشروا بزيادة جديدة. للأسف.
عدد استقدام العاملات الأجنبيات في الخدمة المنزلية تحسّن كثيرًا. هبط بعد أزمة 2019 ويعود اليوم إلى الارتفاع. لكن، نعم هناك “لكن” تحدّث عنها عضو مجلس نقابة أصحاب مكاتب الاستقدام علي الأمين. فلنسمعه وهو من شغل موقع النقيب طويلًا: “مع حصول الأزمة المالية في لبنان تراجع عدد الاستقدام بشكلٍ هائلٍ ووصل إلى صفرٍ أحيانًا. وهذا كان طبيعيًّا. أتت كورونا. حصلت الحرب. لكن، في العام الماضي، في 2025، عاد الرّقم إلى الارتفاع بشكلٍ لم يصل إليه على مدى أكثر من نصف عقد. عاد الطلب إلى الارتفاع. ونردّ ذلك إلى سببَيْن: إمّا عاد ليرتفع من قِبل الفئة الأكثر حاجةً إلى تلك الأيدي بسبب وجود مسنّ لديها أو أطفال أو مرضى، وإمّا من فئة الأغنياء التي تستخدم عادةً أكثر من خادمة. الطبقة الوسطى تغيب هنا بنسبة تزيد عن 90 في المئة. المرأة التي كانت تعمل في القطاع الخاص وتتقاضى قبل الأزمة ما يعادل 2000 دولار أصبح معاشها لا يزيد اليوم عن خمسمئة. يعني ما عادت قادرة على الاستعانة بخادمة. ومثلها أمثلة”.
هل من أرقام توضح نسبة الزيادة أكثر؟ يجيب الأمين “صدر عن وزارة العمل العام الماضي 55 ألف موافقة مسبقة. لكن، هذا ليس معناه أنه تمّ استقدام 55 ألف عاملة جديدة. فهناك موافقات تعود وتلغى، نقدّر نسبتها بما بين 10 و20 في المئة”.
نصل إلى اللبّ، إلى حالات الفرار و… يقاطعنا علي الأمين بتذكيرنا بأنّ العبارة الأدق “ترك العمل” لا الفرار. نعم، العاملة التي يدفع مخدومها من عرق جبينه من أجل الاستعانة بها في حالة مرض أو شيخوخة في منزله وتفتح الباب وتغادر تكون “تركت” لا “فرّت”. ولا أحد ينتبه إلى اتفاق قائم بين الطرفين. فلتُنذِر وتغادِر. فلتعد إلى المكتب الذي استقدمها. فلتُبلغ سفارتها. لكن، ما يحصل أنّ هناك من يتلاعب غالبًا “بعقل” العاملة فتغادر من دون أن تنظر إلى الوراء. وهذا -بالطبع- ليس بجديد.
فهل عدد “المغادرات” ما زال هو نفسه في الآونة الأخيرة؟ هل تراجع بعد تسليط الضوء على هذه الظاهرة وعلى شبكات الدعارة والاتجار بالبشر التي اتسعت كثيرا إبان الأزمة؟ يجيب الأمين “ترك العمل أو ما يسمّى “شعبيًا” بالفرار توأم مع هذا القطاع، خصوصًا أنّ المغريات التي قد تتعرّض لها العاملة كثيرة ما يدفعها إلى ترك العمل. هناك مافيات تعدهن بعمل أقل وأجر أعلى وحرية حركة أكبر. هناك شبكات تمّ القبض على بعضها كانت تعمل على هذا الخط وتشجّع العاملات في الخدمة المنزلية على المغادرة. في كل حال، هذه الظاهرة وإن انخفضت إلّا أنها لا تنتهي. سيبقى هناك عاملات يغادرن. وأظن أن وضع ضوابط نهائية لها غير ممكن. ثمّة قرارات رسمية واضحة عندنا تُكبّد غرامات كلّ من يؤوي عاملًا أجنبيًا بشكل غير شرعي. هناك من يتحدّث عن مظلوميات يتعرّضن لها تُجبرهن على ترك العمل لكن من يُظلم يلجأ إلى سفارة بلده أو المكتب الذي أتى به”.
وصلنا إلى اللبّ، ماذا عن وضع مكاتب استخدام العاملات المنزليّات اليوم؟ وما صحة كلّ الكلام عن مشاركة بعضها في “تهريب” الخادمات؟ وماذا عن قرار وزير العمل الأخير بإقفال بعض مكاتب استقدام العاملات المنزليات؟
لبنانيون كثيرون غادرت عاملات كنّ يعملن لديهم ولم يجدوا لهن أثرًا يشكّكون في المكاتب التي تعاملوا معها. فماذا يقول الأمين؟ “المؤسسات التي أُغلقت أخيرًا وعددها سبع نتيجة إعادة تكوين ملفات المكاتب في لبنان. وهي التي لم تقدّم أوراقها فاعتُبرت أنها لم تعد موجودة. أي التي لم تقدّم أوراقها للضمان ولم تدفع الماليّة. وهناك نحو 150 مؤسسة أخرى أجرت تسويةً. يوجد اليوم في لبنان نحو 482 مكتبًا عاملًا. وفي مرحلة من المراحل وصل العدد إلى أكثر من 700. وبرأينا أن حجم السوق اللبنانية ليس بحاجة إلى أكثر من 270 مكتبًا. من ميلٍ آخر، المكتب القانوني هو آخر مَن له مصلحة بمساعدة عاملة على المغادرة. والأمن العام قادر على التحقّق من ذلك. فإذا تبيّن له أي مشاركة من المكتب بذلك يسحب منه ترخيص العمل. لذا يستحيل أن يفعل مكتب قانوني شرعي ذلك. وطالما هناك بلاغ ترك عمل يستحيل استصدار جواز سفر للعاملة المغادرة. لكن -ونعود ونكرّر أنّ “لكن” موجودة دائمًا- هناك في كل قطاع السيء والجيد. لذا نشدّد كقطاع على دور السماسرة في هذا الموضوع. ونقصد بالسماسرة المكاتب التي تعمل تحت اسم مكتب قانوني ليس لديه عمل كثير فيتعاقد مع سماسرة يفتحون مكاتب ويستخدمون الكوتا الممنوحة للمكتب الأصيل. هؤلاء قد يستقدمون عاملات بلا ضوابط أخلاقية. والحلّ؟ يمكن للناس أن يتتبّعوا اسم المكتب الذي يجلبون منه العاملة بشكل سهل، بكبسة زر، من خلال رسائل التفعيل التي ترسلها وزارة العمل إلى هاتف رب العمل. فيعرف إذا كان يتعامل مع مكتب أصيل أو مع سمسار. لكن، الناس -غالبية النّاس- لا تقرأ رسالة التفعيل التي عليها كل التفاصيل. لذلك، يجب تنبيه المواطنين إلى ذلك. اقرأوا يا ناس رسائل التفعيل قبل أن تنقروا على كلمة تفعيل. هذه الرسالة بمثابة توقيع إلكتروني”.
ماذا بعد؟ نحو 30 في المئة من الأُسَر في لبنان تستخدم عاملات منزليات. إنّهن للكثيرين حاجة وليس ترفًا. لذلك، كل من يقول فلتُرفع الضرائب على هذا القطاع يكون مشاركًا في العبث الاجتماعي. ثمّة جرائم ترتكبها عاملات منزليات؟ نعرف ذلك. ثمّة ترك عمل كثير؟ نعرف ذلك. لكن، الحلّ لا يكون باستسهال التعامل مع هذا الملف بحجّة أن اللبنانيين يبالغون باستخدامهن. إنهن -نكرّر- حاجة بالنسبة إلى الكثيرين. القطاع يُنظّم. إجراءات كثيرة تُتخذ في هذا المجال. على أمل أن يعرف -ويتعرف- كلّ طرف على حقوقه وواجباته فيه. ولينتبهوا -نعم فلينتبهوا- من مكاتب تطرح خدمة توفير الخادمات بالساعة “غبّ الطلب”.




