“زئير الأسد” وحماية لبنان من الفوالق الإيرانية


خاص 9 آذار, 2026

قد تغيّر المواجهة الإقليمية الجارية موازين القوى بين إسرائيل وإيران، لكن بالنسبة للبنان، يبقى التحدّي الحقيقي في مكان آخر: كيف يخرج من معادلة الفوالق الإيرانية التي جعلته ساحة مفتوحة لكلّ زلزال يضرب الشرق الأوسط.

كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:

يقع لبنان فوق واحد من أخطر الأنظمة الزلزالية في شرق المتوسط. فوالق اليمونة وسرغايا وروم، المتفرّعة من صدع البحر الميت، تختزن طاقةً جيولوجيةً هائلةً. التاريخ يُذكّر اللبنانيين بذلك مرارًا: زلازل مدمّرة ضربت لبنان منذ قرون، أبرزها زلزال عام 551 الذي دمّر بيروت، وزلزال 1202 الذي هزّ المنطقة بقوة تجاوزت سبع درجات. لكنّ المفارقة أن أخطر الفوالق التي ضربت لبنان في العقود الأخيرة لم تكن جيولوجيةً. الزلازل الطبيعية نادرة، أمّا الزلازل السياسية فباتت شبه دائمة. الفالق الأكثر تدميرًا لم يكن في جبال لبنان، بل في مكان آخر: في شبكة النفوذ التي بناها الحرس الثوري الإيراني عبر “فيلق القدس” وأذرعه العسكرية في المنطقة، وفي مقدمتها “حزب الله”.

اليوم، ومع اتّساع المواجهة بين إسرائيل وإيران في إطار عمليات “زئير الأسد”، يعود لبنان مرةً جديدةً إلى موقعه التقليدي: خط تماس وساحة في صراع إقليمي أكبر منه. منذ حرب تموز عام 2006، دخل لبنان عمليًّا في معادلة عسكرية تتجاوز حدوده. تلك الحرب التي دمّرت الجنوب وأحياء واسعة من الضاحية الجنوبية لم تكن مجرّد مواجهة لبنانية – إسرائيلية، بل جزءًا من صراع إقليمي أوسع تُديره طهران عبر شبكة من أذرعها المسلحة.

المشهد تكرّر بعد عملية “طوفان الأقصى” في تشرين الأول 2023. فتح “حزب الله” جبهة الجنوب تحت شعار “إسناد غزّة”، فعاد لبنان إلى دائرة الحرب. القرى الحدودية دُمّرت، عشرات الآلاف نزحوا، والاقتصاد اللبناني المُنهك تلقّى ضربة جديدة. الأمر نفسه، وقبل التعافي من المغامرة التدميرية لمساندة يحيى السنوار، زجّ الحرس الثوري الإيراني لبنان من خلال “حزب الله” في الثّأر لدماء المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، علي خامنئي؛ وما ترتّب عليه من تدمير وتهجير مُمنهج للبنان. بهذا المعنى، لم يعد لبنان يقف فقط فوق فوالق الأرض، بل فوق فوالق سياسية وعسكرية أكثر خطورة. فالفوالق الجيولوجية تتحرّك بهزّات صغيرة متكرّرة تُخفّف من تراكم الطاقة داخل الأرض. أمّا الفوالق التي صنعتها إيران في المنطقة فتعتمد منطقًا معاكسًا: تراكم التوتّر حتى لحظة الانفجار.

استراتيجية “وحدة الساحات” التي تروّج لها طهران تقوم تحديدًا على هذا المبدأ: ربط الجبهات العسكرية من غزّة إلى لبنان والعراق واليمن في مواجهة إسرائيل والدول العربية والولايات المتحدة الأميركية. لكنّ التجربة أظهرت أنّ هذه المعادلة لا توفّر الحماية للبنان، بل تحوّله إلى منطقة ارتداد لأي صدام إقليمي. العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد إيران وأذرعها تسعى، وفق معظم التقديرات الاستراتيجية، إلى تفكيك هذه الشبكة. لكنّ المشكلة بالنسبة للبنان لا تكمن فقط في المواجهة بين إسرائيل وإيران، بل بتحوّل لبنان عمليًّا إلى إحدى ساحاتها، من دون قرار وطني جامع.

هنا تكمن المعضلة اللبنانية الحقيقية. فغالبيّة اللبنانيين لا يرون أنفسهم طرفًا في هذا الصراع المفتوح، ولا يعتبرون أن مصلحة بلدهم تكمن في أن يكون قاعدةً متقدمةً للمشروع الإيراني في شرق المتوسط. لهذا السبب يتجدّد داخل لبنان النقاش حول مسألة أساسية نصّ عليها الدستور واتفاق الطائف منذ أكثر من ثلاثة عقود: احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم. فالدولة وحدها، لا أي تنظيم مسلح، هي التي تقرّر متى يدخل لبنان الحرب ومتى يخرج منها.

في الجغرافيا، يمكن دراسة الفوالق الزلزالية والاستعداد لها. أمّا في السياسة، فالفوالق التي تصنعها المشاريع الإقليمية لا يمكن احتواؤها إلّا بقرار سيادي واضح يُعيد تثبيت سلطة الدولة. قد تغيّر المواجهة الإقليمية الجارية موازين القوى بين إسرائيل وإيران. لكن بالنسبة للبنان، يبقى التحدّي الحقيقي في مكان آخر: كيف يخرج من معادلة الفوالق الإيرانية التي جعلته ساحة مفتوحة لكل زلزال يضرب الشرق الأوسط. فلبنان الذي نجا عبر التاريخ من زلازل الطبيعة، قد لا ينجو طويلًا إذا بقي عالقًا فوق فالق “حزب الله” الإيراني، لا يتوقّف عن الاهتزاز، ومصيره أصبح معلّقًا بـ”زئير الأسد”!.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us