لماذا من المرجّح أن تطول الحرب في لبنان؟

كتبت Natasha Metni Torbey لـ” Ici Beyrouth”:
بينما تتوسّع رقعة الضّربات الإسرائيليّة-الأميركيّة ضدّ إيران وتشتعل المنطقة، تدور حرب طويلة على جبهة أخرى: لبنان.
يقف اليوم هذا البلد الهشّ، والمنهك اقتصاديًّا، والمنقسم اجتماعيًّا، والمثقل بالأزمات السياسيّة، في قلب صراع لا يشبه حرب 2006، ولا حرب 2024، بل يبدو أقرب إلى ديناميّة ممتدّة تتغذّى تلقائيًّا، وقد تستمرّ طويلًا، ربّما أطول حتّى من الحرب الإيرانيّة. لماذا وإلى أي مدى؟
لفهم حجم هذا الصّراع وخصوصيّته، يؤكّد العميد المتقاعد خليل الحلو، في حديث إلى موقع Ici Beyrouth “اعتماد كل شيء على طبيعة الصّراع الّذي نتحدّث عنه”. وبالنّظر إلى السّياق الحاليّ، الّذي يتّسم خصوصًا بضربات جويّة، وعمليّات اغتيال محدّدة الهدف، يرى الحلو أنّ الحرب بصيغتها الرّاهنة قد تستمرّ لفترة أطول بكثير ممّا قد يحدث في إيران.
ويُذكر في هذا السّياق بأنّه، ومنذ بداية هذه المرحلة الجديدة من المواجهة الّتي اندلعت في الثّاني من آذار الماضي، بعد ردّ حزب الله على اغتيال المرشد الأعلى الإيرانيّ السّابق علي خامنئي، يتعرّض لبنان يوميًّا لغارات إسرائيليّة تستهدف مواقع استراتيجيّة، فضلًا عن بنى تحتيّة مدنيّة، وماليّة مرتبطة بالتّنظيم المسلّح. وقد بدأت التّداعيات الإنسانية تتخّذ أبعادًا مأساويّة، مع نحو 760 ألف نازح في غضون أيّام قليلة.
حاولت الحكومة اللبنانيّة، برئاسة رئيس الوزراء نوّاف سلام، استعادة زمام المبادرة بإعلانها، في الثّاني من آذار، عدم قانونيّة عمليّات حزب الله العسكريّة على الأراضي اللبنانيّة، مع حظر أنشطته، والمطالبة بوقف الهجمات على إسرائيل. غير أنّ هذا القرار، بأهميّته، يصطدم بواقع ملموس. فبينما يرى بعض المراقبين أنّ السّلطة المركزيّة اللبنانيّة لا تملك الوسائل، ولا القدرة، على نزع سلاح ميليشيا تسيطر عسكريًّا على مناطق واسعة من البلاد، ومتجذّرة اجتماعيًّا، يلمّح آخرون إلى غياب إرادة سياسيّة حقيقيّة. ويقول الحلو: “طالما يتمسّك حزب الله بسلاحه، ويرفض تسليمه كما هي الحال، سيستمرّ الصّراع. وقد أظهرت تجارب النّزاعات السّابقة مدى إشكاليّة هذا الوضع”.
بلد محاصر بين ناريْن
تجعل مواقف الفاعلين الدوليّين، أي مخرج تقليديّ للأزمة في لبنان، شبه وهميّ. فمن جهة، تواصل إسرائيل المطالبة بنزع سلاح حزب الله بشكل كامل، كشرط أساسيّ لأي سلام دائم. وقد كرّرت الحكومة الإسرائيلية ذلك: من دون نزع سلاح حزب الله، ستواصل الدولة العبريّة عمليّاتها، بما في ذلك غارات محدّدة، تستهدف بنى تحتيّة مرتبطة به.
ومن جهة أخرى، يرفض حزب الله الّذي يتولّى قيادته اليوم أمينه العام نعيم قاسم، بشكل قاطع، التحوّل إلى مجرّد “حزب سياسيّ” منزوع السّلاح. وتبرّر قيادة الحزب موقفها باعتباره دفاعًا وجوديًّا في مواجهة “عدوان إسرائيليّ”، تعتبره دائمًا، ومرتبطًا بالصّراع الأوسع مع إيران.
اتّضحت حتّى الآن استحالة التّوفيق بين هاتيْن الرؤيتيْن المتعارضتيْن. إذ لم تلقَ دعوات الرّئيس اللبنانيّ جوزاف عون إلى مفاوضات مباشرة مع تل أبيب، المشروطة بوقف كامل لإطلاق النّار، ردًّا واضحًا من الجانب الإسرائيلي الّذي يتمسّك بموقفه: نزع كامل للسّلاح، أو استمرار العمليّات. أمّا الولايات المتّحدة، حليف إسرائيل السياسيّ والعسكريّ، فتدعم هذه المقاربة الاستراتيجيّة. فواشنطن تواصل مساندة إسرائيل في ضغوطها على حزب الله، وتنشر بالتّوازي وسائل عسكريّة ضدّ إيران، ما يجعل الجبهة اللبنانيّة امتدادًا لصراع إقليميّ أوسع.
في هذا السّياق، يحذّر الحلو: “لم يعدِ الرّهان على المفاوضات، أو على الوساطة، مجديًا. إذ دائمًا ما استفاد حزب الله من فترات الهدوء، ليعيد تنظيم صفوفه، ويتسلّح من جديد، ويستأنف إطلاق النّار على إسرائيل”.
وإذا كانت الحرب، في بعدها الحاليّ القائم على الضّربات الموجّهة، لن تنتهي سوى بحلّ نهائيّ لمسألة سلاح حزب الله، أي وضعه في يد الدولة اللبنانيّة، فإنّ شكلًا آخر من الصّراعات قد يتّضح أنّه أشدّ وطأة، وأخطر، سواء كان ظرفيًّا أو طويل الأمد، تبعًا لتطوّر الأحداث. ويوضح الحلو: “ينتشر على حدود البلاد الجنوبيّة نحو خمسين ألف جنديّ إسرائيليّ، وهو عدد كافٍ لشنّ هجوم بريّ في الجنوب، وجزء من البقاع”.
ويضيف: “إذا كان الهدف نزع سلاح حزب الله، فقد تتدخّل القوّات الإسرائيلية في مختلف المناطق، ما قد يطيل أمد الصّراع. أمّا إذا كانت الأولويّة تأمين شمال إسرائيل، فقد تبقى العمليّة محدودة حتّى نهر اللّيطاني”.
تحدّيات بلد على حافة الانهيار
ليست الحرب في لبنان مجرّد مواجهة عسكريّة، بل مرآة لأزمة وطنيّة أعمق. إذ يواجه السكّان، الّذين أنهكهم الانهيار الاقتصاديّ، والتضخّم المتسارع، وتدهور الخدمات العامة، أزمة إنسانيّة غير مسبوقة اليوم: تتعرّض البنى التحتيّة، من مدارس، ومستشفيات، وشبكات كهرباء، لضغط هائل، فيما تعيش مجتمعات كاملة في جوّ من عدم اليقين، والنّزوح.
ويبتعد شبح حرب طويلة عن نماذج النّزاعات التقليديّة القصيرة والعنيفة. ومن دون إطار سياسيّ إقليميّ، يشمل ليس بيروت وتل أبيب فحسب، بل طهران، وواشنطن، وعواصم مؤثّرة أخرى أيضًا، لا مكان لسيناريو واقعيّ للخروج سريعًا من الأزمة. ويدفع غموض هذا الأفق السياسيّ الكثير من المراقبين إلى الخشية من أن تستمرّ الحرب في لبنان، ليس كصراع معزول، بل كجزء دائم من مواجهة إقليميّة أوسع.
وما وراء خطوط الجبهة، غدت الحرب في لبنان صراعًا على النّفوذ والسّلطة، قد لا تقتصر انعكاساته على تحديد ملامح الاستقرار الداخليّ فحسب، بل بنية الشّرق الأوسط الجيوسياسيّة لسنوات، وربّما لعقود مقبلة. وبعيدًا عن كونها مرحلة عابرة في سياق الصّراع الإيرانيّ، تترسّخ هذه الحرب كجبهة شبه دائمة، مطبوعة بغياب اتّفاق سلام دائم، وبعجز بنيويّ عن تفكيك الديناميّة العسكريّة والسياسيّة الّتي تغذّيها.
مواضيع ذات صلة :
غوتيريش من لبنان: لن أدّخر أي جهد في السعي للسلام | مَن يُمسك بخيوط الحرب في لبنان؟ | عندما ينزح جبل عامل… وينزاح! |




