أسعار النّفط ورقة ضغط في الحرب… وجزيرة “خرج” الإيرانية هدفٌ حسّاس؟!

على الرغم من كل هذه الأهمية، لم تتعرّض الجزيرة لأي ضربات مباشرة خلال النزاعات الحالية، ما يعكس الحذر الدولي من تداعيات أي خطوة قد تُحدث زعزعة في أسواق النفط العالمية، لكن تقارير كشفت أن الإدارة الأميركية ناقشت خيارات السيطرة على الجزيرة أو تعطيل قدراتها المؤثرة في تصدير النفط، باعتبارها موقعًا يمكن أن يُغيّر موازين القوى الاقتصادية في المنطقة ويُؤثر في أسواق الطاقة العالمية.
كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:
تزداد المخاوف من اتّساع رقعة الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لتطال قطاع الطاقة واستهداف المنشآت النفطية. مثل هذا التصعيد قد يؤدّي إلى ارتفاع إضافي في أسعار النفط عالميًا، ليس فقط بسبب الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز، بل أيضًا نتيجة تراجع الإنتاج وتهديد المنشآت النفطية. ومن شأن هذه التطوّرات أن تضغط على أسعار السلع والمواد الغذائية، وتفاقم الضغوط على الاقتصاد العالمي.
وفي قلب هذه المخاوف، تتجه الأنظار إلى جزيرة “خرج” الإيرانية، وهي بقعة صغيرة على الخريطة قد تغيّر موازين حرب كاملة. تقع الجزيرة في الخليج العربي على بعد نحو 25 كيلومترًا من الساحل الإيراني، وعلى الرغم من صغر مساحتها التي لا تتجاوز 25 كيلومترًا مربعًا، فإنها تُعد أهم مركز لتصدير النفط الإيراني، ما يجعلها نقطةً حساسةً وأساسيةً لأي تحرك عسكري أو سياسي في المنطقة.
لماذا تُعدّ هذه الجزيرة مهمّة لإيران؟
تبرز أهمية جزيرة خرج الإيرانية في قلب استراتيجية النّفط الإيراني لعدة أسباب رئيسية:
أولًا، تمرّ عبرها نحو 90% من صادرات النفط الإيراني، ما يجعلها الممرّ الأساسي لتدفق الخام إلى الأسواق العالمية.
ثانيًا، تتعامل محطة الجزيرة مع نحو 1.5 مليون برميل من النفط يوميًّا، وهو رقم ضخم يعكس حجم الاعتماد الكبير عليها في تصدير الإنتاج الإيراني.
ثالثًا، الجزء الأكبر من هذه الشحنات موجّه إلى الأسواق الآسيوية، خصوصًا الصين والهند، وهما من أكبر مستوردي النفط في العالم، ما يعني أنّ أي تهديد لهذه الجزيرة قد يؤثر مباشرة في الإمدادات الحيوية لدول تعتمد على النفط الإيراني بشكل جزئي أو كامل.
يصل النفط إلى جزيرة خرج عبر أنابيب تربط الحقول النفطية الإيرانية بالمحطة، حيث يُخزَّن في خزانات ضخمة قبل تحميله على ناقلات النفط. هذه الناقلات تعبر لاحقًا مضيق هرمز لتصل إلى الأسواق العالمية، وهو مضيق يُعدّ شريانًا حيويًا للطاقة الدولية.
لماذا تُعتبر جزيرة خرج هدفًا حسّاسًا للغاية؟
تكمن أهمية جزيرة خرج في أنّها تمثل شريان الحياة الاقتصادي لإيران، فغالبيّة عائدات النفط التي تعوّل عليها الحكومة الإيرانية لتمويل ميزانيتها تمرّ عبر هذه البقعة الصغيرة. والأمر الأكثر حساسية هو أنّ جزءًا من هذه الموارد يُحوَّل مباشرة إلى الحرس الثوري الإيراني، ما يجعل أي هجوم أو تعطيل للجزيرة يعني ضربةً مزدوجةً: للموازنة العامة ولقدرة الحرس الثوري على تمويل عملياته الإقليمية.
لذلك، يرى الكثير من المحلّلين أنّ أي استهداف أو تعطيل لجزيرة خرج سيؤثر مباشرة في أهم مصادر الدخل للحكومة الإيرانية، وهو ما يرفع من قيمة هذه الجزيرة الاستراتيجية على الصعيد العسكري والسياسي والاقتصادي في آن واحد.
المفارقة اللافتة أنه، على الرغم من كل هذه الأهمية، لم تتعرّض الجزيرة لأي ضربات مباشرة خلال النزاعات الحالية، ما يعكس الحذر الدولي من تداعيات أي خطوة قد تُحدث زعزعة في أسواق النفط العالمية.
ومع ذلك، كشفت تقارير أن الإدارة الأميركية ناقشت خيارات السيطرة على الجزيرة أو تعطيل قدراتها المؤثرة في تصدير النفط، باعتبارها موقعًا يمكن أن يُغيّر موازين القوى الاقتصادية في المنطقة ويُؤثر في أسواق الطاقة العالمية.
بهذا الشكل، تتحوّل جزيرة خرج من بقعة صغيرة على الخريطة إلى نقطة محورية في لعبة النفوذ والسيطرة الاقتصادية والاستراتيجية.
ماذا قد يحدث إذا تمّ استهداف جزيرة خرج؟
التداعيات المحتملة لأي هجوم على جزيرة خرج قد تكون كبيرة:
أولًا، خنق جزء كبير من صادرات النفط الإيرانية، ما يعني ضربة قوية لاقتصاد إيران الذي يعتمد بشكل أساسي على هذه العائدات، وخصوصًا تمويل أنشطة الحرس الثوري.
ثانيًا، قد يؤدّي تعطيل الجزيرة إلى ارتفاع حاد وفوري في أسعار النفط عالميًا، خصوصًا مع محدوديّة البدائل وارتباط الأسواق بمضيق هرمز كممرّ رئيسي لتدفقات الطاقة. وأي توقّف في تدفق النفط من الجزيرة سينعكس بشكل مباشر على أسعار الوقود والسلع الأساسية في جميع أنحاء العالم.
لكن المخاطر لا تتوقّف عند هذا الحد، فالتصعيد المحتمل قد يدفع إيران إلى الرد عبر استهداف منشآت نفطية في دول الخليج، ما يزيد من توتّر الأسواق ويهدّد استقرار إمدادات الطاقة العالمية، ويضع الاقتصادات الكبرى أمام اختبار حقيقي لتوازنها.
وفي ظلّ الارتفاع المتسارع لأسعار النفط عالميًا مع تصاعد الحرب، قد يتحوّل النفط نفسه إلى ورقة ضغط تدفع الأطراف المتصارعة نحو إنهاء النزاع بسرعة أكبر، تفاديًا لتفاقم الأزمة الاقتصادية التي قد تمتدّ آثارها إلى العالم بأسره.




