هل يمهّد خامنئي الطّريق أمام سلالة حاكمة في إيران؟

ترجمة هنا لبنان 16 آذار, 2026

كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth“:

بعد مضي خمسة وأربعين عامًا على سقوط نظام ملكيّ وراثيّ، تشهد الجمهوريّة الاسلاميّة في إيران انتقال السّلطة من المرشد الأعلى إلى ابنه. وتثير مبايعة مجتبى خامنئي سؤالًا مقلقًا: هل تمضي إيران الثوريّة نحو خلافة سلاليّة؟

أعادت وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي في الضّربات الأميركيّة-الإسرائيليّة في الثّامن والعشرين من شباط ملفّ الخلافة الّذي خشيت الجمهوريّة الإسلاميّة فتحه منذ سنوات، إلى الواجهة. وفي غضون أيّام معدودة، حسم مجلس خبراء القيادة الجدل بتعيين نجله، مجتبى خامنئي، ليخلفه في قيادة النّظام الإيرانيّ.
تشكّل هذه الخطوة محطّة غير مسبوقة في تاريخ الجمهوريّة الاسلاميّة. فقد أسقطت ثورة عام 1979 نظامًا ملكيًّا وراثيًّا، اتُّهم آنذاك باحتكار السّلطة لصالح سلالة حاكمة. ومع تعيين الإبن خلفًا لوالده اليوم في قمّة هرم الدولة، يبرز تناقض سياسيّ صارخ، يضع النّظام أمام مفارقة تاريخيّة لا يمكن تجاهلها.
وهكذا، تجد الجمهوريّة الإسلاميّة نفسها أمام سؤال دقيق: هل يمكنها أن تبقى وفيّة لإرثها الثوريّ بينما تنظّم انتقالًا عائليًّا للسّلطة في قمّة الحكم؟
بالنسبة إلى القادة الإيرانيّين، قد يُفسَّر هذا الخيار أيضًا بمنطق الاستقرار. فإيران تمرّ بمرحلة شديدة الحساسية: مواجهة إقليميّة، وضغوط عسكريّة خارجيّة، وعقوبات اقتصاديّة مستمرّة، وتوتّرات اجتماعيّة متكرّرة. وفي هذا السّياق، يبدو أنّ أولوية النّخب كانت تجنّب أي صراع داخليّ قد يضعف بنية الدولة.
من هذه الزّاوية، يجسّد مجتبى خامنئي شخصيّة مطمئنة بالنسبة إلى الأجهزة الأمنيّة الإيرانيّة. فمنذ سنوات، يعتبره كثير من المراقبين واحدًا من أكثر الشخصيّات نفوذًا في النّظام، رغم عمله الدّائم في الظلّ.
وُلد مجتبى خامنئي عام 1969 في مشهد، كبرى مدن شمال شرق إيران، ونشأ في بيئة تأثّرت بعمق بالنّشاط السياسيّ المناهض لنظام الشّاه، الّذي أدّى إلى اعتقال والده مرارًا على يد السافاك، جهاز الشّرطة السريّة الامبراطوريّة.
وبعد ثورة 1979، انتقلت العائلة إلى طهران حيث تابع مجتبى دراسته في مدرسة علوي الثانويّة، وهي مؤسّسة معروفة بتخريج جزء من النّخبة الدينيّة في البلاد. وبعد تخرّجه عام 1987، التحق بالحرس الثوريّ الإيرانيّ، القوّة العسكريّة العقائديّة للنّظام الجديد.
وخدم خلال الحرب الإيرانيّة العراقيّة، خصوصًا، في الفرقة السّابعة والعشرين “محمّد رسول الله”، ثمّ في كتيبة “حبيب”، وهي وحدة تضمّ ناشطين إسلاميّين معروفين بتشدّدهم. وقد كانت هذه المرحلة مهمّة في مسيرته، إذ أتاحت له بناء علاقات متينة مع شخصيّات بارزة في الجهاز الأمنيّ الإيرانيّ.
وعندما أصبح والده مرشدًا أعلى عام 1989، توجّه مجتبى إلى دراسة اللّاهوت والفقه الإسلامي في طهران ثمّ في المدينة المقدّسة قم، وحصل على رتبة “حجّة الإسلام”، وهو لقب دينيّ محترم، إنّما أدنى من مرتبة آية الله.
وتُعتبر هذه المرتبة الدينيّة من أبرز نقاط الجدل في تعيينه. إذ يقوم مبدأ ولاية الفقيه، على سلطة فقيه إسلاميّ معترف به، بينما لا يمتلك مجتبى المكانة اللّاهوتية التقليديّة.
مع ذلك، ليس هذا الوضع بلا سابقة. إذ جرى تعديل الدّستور الايرانيّ عام 1989 من أجل السّماح لعلي خامنئي بتولّي منصب المرشد الأعلى، رغم الجدل حول شرعيّته الدينيّة لدى بعض رجال الدّين.

خلافة سلاليّة تكشف تطوّر النّظام
بعيدًا عن شخص مجتبى خامنئي، يسلّط تعيينه الضّوء، قبل كل شيء، على تطوّر النّظام الإيراني، حيث انتقل منذ عقديْن الثّقل، تدريجيًّا، من المؤسّسة الدينيّة إلى الجهاز الأمنيّ، لا سيّما الحرس الثوريّ الإيرانيّ.
وتسيطر هذه المنظّمة العسكريّة العقائديّة الفاعلة على جزء كبير من الاقتصاد، وتشرف على البرامج العسكريّة الاستراتيجيّة، وتؤدّي دورًا محوريًّا في توسيع النّفوذ الإيرانيّ في الشّرق الأوسط.
يحافظ مجتبى خامنئي منذ زمن طويل على علاقات وثيقة مع هذه المؤسّسة، ويصفه الكثير من المراقبين بأنّه أحد أبرز المخاطبين المقرّبين من الحرس الثوريّ، ضمن دائرة المرشد الأعلى، ما يفسّر الدّعم القويّ الّذي يحظى به. وبالنسبة إلى الحرس الثوريّ، تمثّل تسميته ضمانة لاستمراريّته، وتمنع ظهور مرشد قد يعيد النّظر في نفوذهم السياسيّ والاقتصاديّ.
في هذا السّياق، تبدو خلافة مجتبى خامنئي أقلّ انعكاسًا لاختيار إيديولوجيّ، وأكثر تجسيدًا لاستراتيجيةّ تهدف إلى إحكام السّيطرة على النّظام. فمن خلال وضع شخصيّة متوائمة مع شبكات السّلطة، رجال الدّين، والجهاز الأمنيّ، والهياكل الاقتصاديّة، يسعى النّظام إلى تقليص مخاطر الانقسام الداخليّ.
غير أنّ هذه الاستراتيجيّة تنطوي أيضًا على كلفة سياسيّة. فبإعطاء الانطباع بأنّ السّلطة تنتقل وراثيًّا في داخل العائلة، قد تعزّز الجمهوريّة الاسلاميّة صورة نظام خاضع لهيمنة دائرة ضيّقة من النّخب.
وقد غيّرت وفاة الرّئيس السّابق إبراهيم رئيسي في أيّار 2024، الّذي اعتُبر طويلًا خليفة محتملًا، موازين القوى في داخل النّظام. ومنذ ذلك الحين، أفضت انتخابات مبكرة إلى وصول الاصلاحيّ مسعود بيزشيكيان إلى السّلطة. غير أنّ المعركة الحقيقيّة تدور في مكان آخر: على قمّة الجهاز السياسيّ-الدينيّ، حيث يرتكز النّفوذ في يد المرشد الأعلى.
ويبقى سؤال أخير: هل تشكّل هذه الخلافة تشدّدًا حقيقياً للنّظام، أم مجّرد رهان سياسيّ لإظهار صورة من الاستقرار؟
فرغم الضّغوط العسكريّة والدبلوماسيّة، يسعى القادة الإيرانيّون، عبر هذا الانتقال السّريع والمضبوط، إلى توجيه رسالة إلى خصومهم مفادها أنّ النّظام قادر على ضمان استمراريّته.
لكنّ التّاريخ السياسيّ يُظهر أنّ لحظات الخلافة غالبًا ما تشكّل فترات من الهشاشة بالنسبة إلى الأنظمة السلطويّة. وقد تبدو تسمية مجتبى خامنئي، مع مرور الوقت، إمّا إحكامًا سلطويًّا ناجحًا، أو دليلًا على نظام اضطرّ إلى تبنّي منطق وراثيّ للحفاظ على استقراره.
وبعد خمسة وأربعين عامًا على الثّورة الاسلاميّة، تقف إيران أمام مفارقة تاريخيّة: يواجه نظام اليوم، نشأ لإسقاط ملكيّة، خلافة عائليّة على رأس الدولة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us