هل تتخلى إيران عن “الحزب” مقابل إنقاذ نفسها؟

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth”:
تجري واشنطن وطهران مفاوضات… حول مفاوضات! وعلى الطاولة خطة أميركية من 15 بندًا تقول إيران إنها رفضتها. من بين هذه البنود مطلب بالغ التداعيات: تخلي طهران عن أذرعها الإقليمية، وفي مقدمتها حزب الله.
لم تعد المسألة نظرية. إنها مطروحة بوضوح في صلب وثيقة دبلوماسية. ويجب طرحها بجرأة ومن دون مواربة: نعم، يمكن لإيران أن تتخلى عن حزب الله. لقد فعلت ذلك سابقًا، بطريقتها، كلما اقتضت مصلحتها البقاء. خلال ما سُمّي بـ”حرب الإسناد” لحماس، لم تحرك إيران ساكنًا لدعم الميليشيا.
على مدى أربعين عامًا، سوّقت الدعاية لفكرة “محور المقاومة” بوصفه تحالفًا مقدسًا وتضامنًا لا ينكسر بين “إخوة السلاح”. لكن ذلك كان كذبة مفيدة.
ما بنته طهران في لبنان والعراق واليمن وسوريا ليس تحالفات، بل أدوات: وسائل للزعزعة والابتزاز الاستراتيجي. حزب الله ليس شريكًا لإيران، بل هو بمثابة “فيلق أجنبي” تابع لها.
تتضمن الخطة الأميركية بنودًا تفرض التخلي عن دعم حلفاء طهران في المنطقة، ومنهم حزب الله وحماس. وبالنسبة للقيادة الإيرانية التي نجت من عمليات اغتيال وتدمير جزئي لبرنامجها النووي وأسابيع من القصف، فإنّ هذا الشرط لا يُعد إذلالًا أيديولوجيًا، بل فرصة للبقاء متخفية في صورة استسلام.
هناك حقيقة يرفض كثيرون الاعتراف بها ممن راهنوا على “النصر الإلهي”: الجمهورية الإسلامية لم تحب لبنان يومًا، بل أحبت ما يتيحه لها لبنان من نفوذ. إنه حساب بارد لا يفاجئ من يعرف تاريخ الإمبراطورية الفارسية.
تاريخ حافل، على سبيل المثال، بحالات خيانة خلال الحروب الميدية قبل 2500 عام، حيث اعتمدت الدبلوماسية الفارسية على المال والسلاح لشراء الحلفاء وإشعال الخلافات بين المدن اليونانية.
اليوم، لا تزال إيران تمتلك مخزونًا مهمًا من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو محور التفاوض الحقيقي وضمانة بقائها الأساسية. أمام هذا الرصيد الاستراتيجي، ما وزن حزب الله؟
إنها ميليشيا فقدت قيادتها، جرى استهدافها بشكل منهجي منذ أيلول 2024، ودُمّرت أنفاقها، وتراجعت قدراتها القتالية إلى جزء بسيط مما كانت عليه. قد تستمر في إطلاق النار، لكنها لم تعد قادرة على تهديد تل أبيب، بل تقتصر على تهديد لبنان وسكانه.
بالنسبة لطهران، المعادلة واضحة: التضحية بحزب الله مقابل إنقاذ النظام ورفع العقوبات خيار عقلاني… ومحتمل تمامًا.
وماذا عن لبنان؟
لبنان خارج المعادلة. لم يكن يومًا طرفًا منذ أن حوّل حزب الله البلاد إلى مقر للثورة الإسلامية، ومؤسساتها إلى صدى لقم. في الوقت الذي أعلنت فيه إسرائيل نيتها إقامة منطقة أمنية جنوبًا حتى نهر الليطاني، تتفاوض واشنطن وطهران على مستقبل هذا البلد الصغير.
هذا هو الإرث الفعلي لثلاثين عامًا من هيمنة حزب الله على الدولة: بلد لا يُؤخذ رأيه حين يُقرر مصيره. لا أحد يتفاوض مع لبنان، بل يتفاوضون عليه.
إذا وقّعت طهران وتخلت عن حزب الله، فستجد الميليشيا نفسها في موقع طالما رفضت الاعتراف به: من دون راعٍ، من دون تمويل خارجي، ومن دون شرعية إقليمية أو حتى محلية. تنظيم مسلح غير شرعي سيواجه السؤال الذي تطرحه الشعوب يومًا على كل الميليشيات: من منحكم هذا الحق؟
الحقيقة التي يتجاهلها البعض أن إيران لم تُنشئ حزب الله لتحرير “فلسطين”، بل لتحقيق أهدافها: السيطرة على لبنان، تهديد إسرائيل، والتأثير في توازنات المنطقة. ما تطلبه واشنطن اليوم في خطتها ليس سوى تفكيك هذه المعادلة.
يمكن لطهران أن تفعل ذلك. السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت ستتخلى عن حزب الله، بل ماذا سيفعل لبنان عندما يجد نفسه، أخيرًا، سيد قراره—إن كان لا يزال يمتلك الإرادة والمؤسسات، والأهم الشجاعة.
في ذلك اليوم، لن يستطيع بعض القادة الاختباء خلف “محور المقاومة” للتهرب من مسؤولياتهم. عندها، لن تبقى السيادة شعارًا، بل ستصبح واجبًا.
كما قال جورج برنانوس: “الواقعية هي حسن نية الأوغاد”.
والأوغاد… كُثر.
مواضيع ذات صلة :
إنذار أميركي بعد اغتيال قائد بحرية الحرس الثوري: غارات تهزّ طهران وعقوبات تضيق الخناق على إيران | توتر داخل الكونغرس بشأن استراتيجية الحرب في إيران | الحكومة الأميركية تُهدّد إيران بتكثيف الهجمات |




