من الحرب إلى عالم الأعمال: ماذا يعني السلام مع إسرائيل لاقتصاد لبنان؟!

ترجمة هنا لبنان 20 نيسان, 2026

كتب Ralph Atrach لـ”This is Beirut”:

مع لقاء مسؤولين لبنانيين وإسرائيليين وجهًا لوجه في واشنطن للمرة الأولى منذ عقود، هيمنت الحرب مع “حزب الله” على العناوين، إلا أنّ آفاق إقامة علاقات اقتصادية مستقبلية بين القدس وبيروت بدأت تلوح في الأفق.

وعقب الاجتماع، تحدّث السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر عن المكاسب المحتملة للسلام، قائلًا في مؤتمر صحافي: “السبب الوحيد لعبورنا أراضي بعضنا البعض سيكون ببدلات رسمية لإجراء الأعمال أو بملابس السباحة لقضاء العطلات”.

من جهته، قال رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في 3 كانون الأول 2025، إن المحادثات الاقتصادية ستكون جزءًا من أي تطبيع محتمل للعلاقات بين بلاده وإسرائيل.

وعلى الرغم من أن هذا التحوّل لا يزال افتراضيًا، إلا أنه قد يحمل تداعيات اقتصادية عميقة على لبنان، الذي يرزح تحت أزمة مدمّرة منذ عام 2019.

عائدات السلام

رأت المسؤولة السابقة في وزارة الخزانة الأميركية هاجر الشمالي أنّ تعافي الاقتصاد اللبناني غير مرجّح من دون اتفاق سلام مع إسرائيل، مشيرةً إلى الإمكانات التحويلية لمثل هذا الاتفاق. وقالت: “الحجّة الاقتصادية قائمة”.
وأضافت أنّ اتفاق السلام قد يفتح الباب أمام استثمارات واسعة النطاق في قطاعات أساسية، منها الطاقة، وتحلية المياه، والبنى التحتية، والزراعة، والعقارات، ما يخلق فرص عمل ويجذب رؤوس الأموال الأجنبية وأموال المغتربين.

وقارنت الشمالي ذلك باتفاقيات “أبراهام”، حيث ساهمت الحوافز الاقتصادية في دعم مسار التطبيع، لافتةً إلى أنّ حجم التبادل التجاري بين إسرائيل والإمارات وحدهما يُتوقّع أن يبلغ 10 مليارات دولار سنويًا.

وبالنسبة للبنان، رأت أنّ ديناميةً مماثلةً قد تظهر، ما قد يقلّص الاعتماد على قروض صندوق النقد الدولي عبر استبدال نموذج الدين بنمو قائم على الاستثمار. وقالت: “لماذا نزيد الديون إذا كان بالإمكان تحقيق إيرادات حقيقية من خلال الاستثمار والتنمية؟”

من جهته، يشارك الاقتصادي كارلوس عبادي هذا التفاؤل، مشددًا على سرعة تفاعل الأسواق. وقال إن الثقة الاستثمارية وتدفّق رؤوس الأموال واستقرار العملة قد تتحقّق بسرعة كبيرة فور صدور إشارة سلام موثوقة.

وأشار إلى أنّ الناتج المحلي الإجمالي للبنان، الذي بلغ نحو 60 مليار دولار عام 2018 قبل الانكماش الحادّ بعد أزمة 2019، قد يصل إلى 100 مليار دولار خلال خمس سنوات في ظلّ بيئة مستقرة.

وقسّم عبادي التعافي إلى مرحلتيْن: الأولى هي “عائد الثقة”، وهي شبه تلقائية عند ظهور إشارة سياسية جدّية، حيث تزداد تحويلات المغتربين، وتعود الودائع إلى المصارف، وينتعش قطاع السياحة، ويتم تفعيل الطلب الكامن لدى الجاليات اللبنانية في الخارج، المقدّر عددها بما بين 14 و18 مليون شخص.

أما المرحلة الثانية، الأكثر تعقيدًا، فهي “العائد الهيكلي”، وتتطلّب سياسات مدروسة واستثمارات طويلة الأمد، وتشمل تطوير الغاز البحري، وإعادة بناء البنية التحتية للكهرباء والنقل، وإعادة تموضع لبنان كمركز مالي إقليمي يربط بين رؤوس الأموال الخليجية والتكنولوجيا الإسرائيلية والشبكات المالية الغربية.

قانون المقاطعة لعام 1955

يتطلّب فتح المجال أمام التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل تعديل القوانين اللبنانية القائمة، التي تمنع أي نشاط تجاري معها. وأوضح وزير العدل السابق إبراهيم نجار أنّ قانون المقاطعة لعام 1955 يحظّر صراحةً أي تواصل مع الإسرائيليين، بما في ذلك العلاقات التجارية والمالية والتعاقدية.
ولا يزال هذا الحظر ساريًا بالكامل، ويشكّل عائقًا قانونيًا أساسيًا أمام أي تعاون اقتصادي فوري.

وبيّن نجار أنّ إلغاء هذا القانون ممكن، لكنه معقّد سياسيًا. إذ يتطلب أولًا التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، ثم مصادقة الحكومة اللبنانية عليه، ومن بعدها إقراره في مجلس النواب.

وبعد تبادل وثائق التصديق ونشر الاتفاق في الجريدة الرسمية، يدخل حيّز التنفيذ، وعندها تصبح المعاهدات الدولية أسمى من القوانين المحلية، ما يؤدّي عمليًا إلى إلغاء قانون المقاطعة.

وعلى الرغم من إمكانية تعديل أو إلغاء القانون قبل توقيع اتفاق سلام، إلا أنّ ذلك يتطلب تشريعًا جديدًا من البرلمان، وهو أمر غير مرجّح في ظل الانقسام السياسي، كما أشار نجار إلى أنّ “القانون لا يُلغى إلا بقانون”.

من الفرصة إلى الواقع

حتى في حال تحقق السلام ورفع العوائق القانونية، حذّر عبادي من أن الفرصة قد لا تتحول تلقائيًا إلى نمو مستدام، مشيرًا إلى ضعف القطاع المصرفي اللبناني الذي قد يعجز عن استيعاب تدفّقات الاستثمار.

وفي غياب إصلاح النظام المالي وتعزيز سيادة القانون، قد يتبدّد “عائد السلام” سريعًا، كما حصل في مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب في التسعينيات، حين أدت التدفقات المالية إلى زيادة الاستهلاك بدل ترسيخ إصلاحات مؤسساتية.

في المقابل، تبقى الشمالي متفائلة بسرعة تحقّق المكاسب، لافتةً إلى أن قطاعات مثل السياحة والعقارات قد تشهد انتعاشًا سريعًا، مع عودة المستثمرين من المغتربين وارتفاع أسعار العقارات وزيادة الحركة السياحية.

ورأت أن السلام قد يدمج لبنان في منظومة اقتصادية إقليمية ناشئة، تربط بين رؤوس الأموال الخليجية والشركات الغربية ومشاريع البنى التحتية.

في المُحصلة، يبقى احتمال انتعاش اقتصادي مدفوع بالسلام واقعيًا لكنه هشّ. فقد تشكّل محادثات واشنطن انطلاقةً دبلوماسيةً تاريخيةً، إلا أنّ التحدي الحقيقي يكمن في قدرة لبنان على مواءمة إطاره القانوني ونظامه السياسي ومؤسساته الاقتصادية للاستفادة من هذه الفرصة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us