واقع جديد يرسم ملامح جنوب لبنان بعد الهدنة

ترجمة هنا لبنان 21 نيسان, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب Marc-Jérémie Boulos لـ”Ici Beyrouth“:

رغم الهدوء الّذي أعقب الأيّام الأولى من الهدنة بين لبنان وإسرائيل، يفرض سؤال نفسه بإلحاح: ما الّذي تبقّى فعليًّا من هذه الحرب، وكيف تختلف عن حرب عام 2024؟ فصمت السّلاح النسبيّ لا ينبغي أن يحجب عمق التحوّلات الجارية. وما يتكشّف، بعيدًا عن التّصريحات الرسميّة، والحصائل البشريّة الأوليّة، وصور الدّمار، هو واقع جديد يتشكّل على المستوييْن الاقليميّ والاستراتيجيّ.

الهدنة هنا ليست مجرّد توقّف عن إطلاق النّار بشكل مؤقّت، بل كاشف يجمّد خطوطًا كان يمكن أن تبقى متحرّكة في ظروف أخرى، ويتيح قياس حجم التغيّرات على الأرض بعيدًا عن وتيرة المعارك المتسارعة. وفي هذه القراءة، تبرز مسؤوليّة داخليّة لا يمكن تجاهلها: مسؤوليّة حزب الله الّذي قرّر التّصعيد منفردًا، فعرّض البلاد كلّها لمواجهة يدفع ثمنها اليوم.

احتلال غير مسبوق في الحقبة الأخيرة

يتمثّل أحد أبرز ملامح هذا النّزاع في اتّساع الحضور الإسرائيليّ في لبنان. إذ تسيطر القوّات الاسرائيليّة اليوم على نحو500 كيلومتر مربّع من الأراضي اللبنانيّة، أي ما يعادل 4,8% من مساحة البلاد الاجماليّة. يشكّل هذا الرّقم وحده قطيعة واضحة مع جولات المواجهة السّابقة.

لكنّ ما يثير الانتباه أكثر هو توزيع هذه السّيطرة الجغرافيّ. فهي تمثّل الآن47% من المناطق الواقعة جنوب نهر اللّيطاني، وهي منطقة كانت تاريخيًّا في قلب التوتّرات، لكنّها لم تشهد احتلالًا بهذا الاتّساع والتّنظيم منذ سنوات. فبينما رسمت النّزاعات السّابقة خطوط مواجهة متقلّبة، يطرح اليوم واقع جديد سؤالًا حول الخيارات الاستراتيجيّة الّتي قادت إلى هذا التوسّع في النّزاع.

شريط متّصل من الجنوب إلى جبل حرمون

يتمثّل تطوّر هائل في نمط الانتشار الاسرائيليّ. فعلى خلاف حرب عام 2024، الّتي اعتمدت على تمركزات متفرّقة، تُظهر المعطيات الميدانيّة الحاليّة وجود شريط شبه متّصل يمتدّ من النّاقورة حتّى جبل حرمون. ويتراوح عمق هذا الشّريط بين 3 و10 كيلومترات، ما يعيد صياغة المشهد على طول الجبهة الجنوبيّة بصورة شاملة.

ولا يقتصر هذا الواقع على تكريس منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع، بل يفرض أيضًا فضاءً جغرافيًّا متماسكًا وخاضعًا للسّيطرة، ضمن مقاربة عسكريّة موحّدة ومترابطة. ويعكس ذلك في الوقت عينه تراجع فعاليّة استراتيجيّة المواجهة غير المتكافئة، الّتي هدفت إلى تقييد حركة الخصم بدل توسيع نطاقها.

نهر اللّيطاني: خطٌّ تجاوزته المعادلات

لم يعد نهر اللّيطاني، الّذي كان يُنظر إليه طويلًا كحدٍّ فاصل غير معلن في ديناميّات الصّراع، يشكّل حاجزًا فعّالًا أو ثابتًا. إذ بات الجيش الإسرائيليّ يعبره في ثلاث نقاط مختلفة، ما يضيف بُعدًا استراتيجيًّا جديدًا إلى المشهد.

يحمل هذا التوغّل، حتّى وإن كان محدودًا، دلالة رمزيّة لافتة، إذ يعيد التّشكيك في التّوازنات الضمنيّة الّتي حكمت المواجهات سابقًا. كما يفتح المجال أمام سيناريوهات أكثر غموضًا وتعقيدًا، تتلاشى فيها الخطوط الحمراء التقليديّة تدريجيًّا، في ظلّ مسار تصعيديّ بات يتجاوز إلى حدّ كبير الأطر السياسيّة المباشرة لدى مختلف الأطراف.

من 5 مواقع إلى 55 قرية

تكشف المقارنة مع حرب عام 2024 تحوّلًا جذريًّا في نطاق الانتشار على الأرض. ففي ذلك الوقت، انحصر الوجود الإسرائيليّ في خمسة مواقع في جنوب لبنان فحسب، نقاط محدودة ذات وظيفة عملياتيّة، بقيت معزولة نسبيًّا عن محيطها الجغرافيّ.

أمّا اليوم، فتبدو الصّورة مختلفة بشكل جذريّ: يمتدّ الوجود العسكريّ ليشمل 55 قرية. ولا يقتصر هذا الاتّساع في نقاط التّمركز على زيادة رقميّة فحسب، بل يعكس تحوّلًا بنيويًّا في طبيعة الانتشار على الأرض.

فبدلًا من تموضع مركزيّ محدود حول نقاط استراتيجيّة، يقوم المشهد على انتشار واسع ومتشعّب، يفرض حضورًا مباشرًا في فضاءات سكنيّة وجغرافيّة متعدّدة. وبهذا، تنتقل طبيعة الوجود من السّيطرة على محاور محدّدة إلى حالة احتكاك يوميّ ومستمرّ مع مناطق بشريّة متنوّعة، بما يعيد تعريف ديناميّات السّيطرة الميدانيّة بشكل كامل.

يعكس هذا التحوّل من منطق تمركز محدود إلى نمط انتشار واسع وممتدّ، تغيّرًا عميقًا في طبيعة إدارة العمليّات على الأرض. كما يكشف في الوقت عينه عن محدوديّة مقاربة كانت تُقدَّم كوسيلة لحماية المجال الجغرافيّ، لكنّها أسهمت عمليًّا في ترسيخ حالة من المواجهة المستمرّة وتوسيع نطاقها.

الحقيقة المرّة

تتجسّد خلف هذه الأرقام وقائع ميدانيّة ملموسة على الأرض. فقد خرجت قرى بأكملها عن سياقها السّابق، وأُعيدت صياغة محاور الحركة وفق اعتبارات أمنيّة وعسكريّة، بينما باتت مساحات زراعيّة واسعة في خارج نطاق الوصول أو الاستغلال، ما انعكس مباشرة على حياة آلاف السكّان في تفاصيلهم اليوميّة.

تتعرّض جغرافيا جنوب لبنان، الّتي راكمت أصلًا طبقات من الصّراع عبر عقود، لإعادة تشكيل أوسع وأعمق. وما يميّز هذه المرحلة هو اتّساع نطاق الوجود العسكريّ واستمراريّته، بما يمنح هذا التحوّل طابعًا بنيويًّا يتجاوز التغيّرات الظرفيّة. وفي المحصّلة، يفرض هذا الواقع كلفة بشريّة وجغرافيّة ثقيلة، ويعيد طرح أسئلة جوهريّة حول المسارات الّتي أفضت إلى هذا الوضع.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us