لبنان-إسرائيل: أيّ دول تمسك بخيوط المفاوضات اليوم؟

ترجمة “هنا لبنان”
كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:
إذا كانت الولايات المتّحدة تفرض نفسها اليوم بوصفها المحور المركزيّ في المفاوضات المباشرة الجارية بين لبنان وإسرائيل، يبدو موقع باقي الفاعلين في طور إعادة التشكّل. بين فرنسا، والسعوديّة، وقطر، ومصر، من يملك تأثيرًا فعليًّا في المسار، وإلى أي حدّ يصل نفوذه؟
دور فرنسا
في هذا المشهد الدبلوماسيّ المُعاد تشكيله، أثار غياب فرنسا عن قلب آليّة المحادثات المباشرة بين بيروت وتل أبيب تساؤلات حول تراجع محتمل في نفوذها.
وأكّدت مصادر دبلوماسيّة فرنسيّة في حديث إلى موقع Ici Beyrouth رفضها هذا التّفسير، واعتبرت أنّه “لا يعكس الديناميّات الجارية”. ووفق المصدر عينه، “لا يتعلّق الأمر بإقصاء فرنسا من المسار، ولا بانسحابها من الملفّ اللبنانيّ”، إذ تندرج الصّيغة الحاليّة ضمن نمط من المفاوضات المباشرة برعاية أميركيّة.
تشير المصادر عينها إلى أنّها “ليست المرّة الأولى الّتي يُطلق فيها مسار تفاوضيّ في لبنان بلا مشاركة فرنسيّة مباشرة”، من دون أن يعنيَ ذلك، وفق المصدر، أي مساس باستمراريّة الالتزام الفرنسيّ تجاه لبنان.
“تواصل الدبلوماسيّة الفرنسيّة التحرّك عبر ثلاثة مسارات: دبلوماسيّ، وإنسانيّ، وعسكريّ، دعمًا للمؤسّسات اللبنانيّة”، بحسب المصدر. ويضيف: “إذا ما قادت التحرّكات الحاليّة إلى وقف إطلاق نار في لبنان، فسنسعد بذلك. لا عقدة لدينا في هذا الشّأن”، مشيرًا إلى أنّ باريس لا تزال منخرطة في أطر قائمة، لا سيّما ضمن قوّة الأمم المتّحدة المؤقّتة في لبنان (اليونيفيل)، وآليّات المراقبة المعتمدة.
ويوضح المصدر الدبلوماسيّ عينه إنّه، وبغضّ النّظر عن الهندسة النهائيّة في أي اتّفاق محتمل، قد تُنشأ آليّات متابعة أو تنسيق جديدة، تكون فرنسا مؤهّلة للانخراط فيها بشكل غير مباشر، إلى جانب الفاعلين المنخرطين أصلًا على الأرض، وفي هيئات التّنفيذ.
السعوديّة: نفوذ هادئ بتأطير حاسم
بعيدًا عن واجهة المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، تبقى السعوديّة فاعلًا مؤثّرًا في الخلفيّة. فإلى جانب الولايات المتّحدة، يُنظر إلى المملكة على أنّها تضطلع بدور هادئ لكنّه مهمّ في تأطير العمليّة سياسيًّا ودبلوماسيًّا.
في هذا السّياق، تسعى الرّياض إلى التّأثير في اتّجاه المحادثات العام، عبر دعم مقاربة تقوم على الاستقرار الاقليميّ، وتعزيز سيادة الدولة اللبنانيّة. ويندرج هذا التوجّه ضمن إعادة التّأكيد على مبادئ اتّفاق الطّائف، الّذي يكرّس حصريّة السّلاح بيد الدولة.
في هذا الإطار، يُشار إلى أنّ المملكة شجّعت واشنطن على إعطاء التوصّل إلى وقف إطلاق نار في لبنان، أولويّة قصوى، بهدف الحفاظ على زخم المحادثات الإقليمية الأوسع، لا سيّما مع إيران. ووفق مصدرٍ تحليليّ، شدّد وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان، في خلال اتّصال هاتفيّ خاص مع الرّئيس الأميركيّ، على ضرورة وقف الأعمال القتاليّة بسرعة. وقد سبق هذا الاتّصال إعلان ترامب عن وقف إطلاق نار لمدّة عشرة أيّام، دخل حيّز التّنفيذ في السّابع عشر من شهر نيسان.
في الوقت عينه، يبدو أنّ قنوات التّواصل بين الرّياض وبيروت قد شهدت تكثيفًا ملحوظًا. فعلى الجانب اللبنانيّ، التقى مستشار رئيس الجمهوريّة أندره رحّال في التّاسع عشر من نيسان في القاهرة المبعوث السعوديّ يزيد بن فرحان، في إطار سلسلة لقاءات مع مسؤولين مصريّين وسعوديّين. وتركّزت المحادثات على الملفّ اللبنانيّ، مع تشديد خاص على ضرورة الحفاظ على الاستقرار الداخليّ، وتفادي أي انزلاق نحو مواجهة في الدّاخل، وضمان استمراريّة ولاية رئاسة الجمهوريّة والحكومة.
وكان النّائب علي حسن خليل قد توجّه قبل أيّام إلى الرّياض، بصفته مبعوث رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، حيث التقى الأمير يزيد بن فرحان. ووفق مصادر دبلوماسيّة متعدّدة، تندرج هذه الزّيارة ضمن سياق يُفترض فيه أنّ إيران باتت تعتمد مقاربة “أكثر انفتاحًا وإيجابيّة” تجاه الدّور السعوديّ في لبنان، باعتباره عاملًا من عوامل الاستقرار.
وتفيد المصادر عينها بأنّ الاتّصالات بين الأمير يزيد بن فرحان وعين التّينة قد تكثّفت في الأيّام الأخيرة، ما أسهم في تشكيل قناة لخفض التّصعيد في إدارة التوتّرات في الدّاخل اللبنانيّ.
بالتّوازي، يُكمّل البعد الاقتصاديّ هذه الديناميّة الدبلوماسيّة. إذ يُعتقد أنّ المملكة أعادت تفعيل بعض قنواتها مع لبنان تدريجيًّا، ضمن مقاربة مشروطة بإجراء إصلاحات بنيويّة، وبالالتزام بتعهّدات أمنيّة، لا سيّما في ما يتعلّق بمكافحة التّهريب عبر الحدود.
وفي هذا الإطار الاقليميّ الأوسع، تتابع أطراف عربيّة أخرى، لا سيّما مصر وقطر، تطوّرات الملفّ اللبنانيّ-الإسرائيليّ عن كثب. ورغم أنّها تمتلك خبرات معترف بها في الوساطة، يبقى مستوى انخراطها محدودًا حتّى الآن ضمن صيغة المحادثات الحاليّة.
في المحصّلة، تكشف هذه المرحلة الدبلوماسيّة عن إعادة تشكّل في موازين التّأثير: مسار تهيمن عليه الولايات المتّحدة، وفرنسا في موقع تراجع نسبيّ مع استمرار حضورها ضمن أطر الدّعم، والسعوديّة في موقع نفوذ غير مباشر ضمن منطق انتظار استراتيجيّ.




