الذكرى الـ111 للإبادة الأرمنية: لبنان بين استذكار المأساة والتأكيد على العدالة والعيش المشترك

لبنان 24 نيسان, 2026

في الذكرى الحادية عشرة بعد المئة للإبادة الأرمنية، شهدت الساحة اللبنانية مواقف رسمية وسياسية وشعبية متعدّدة، أكدت أهمية استحضار هذه المناسبة التاريخية وما تحمله من دلالات إنسانية ووطنية. وقد ترافقت هذه الذكرى مع سلسلة مواقف شدّدت على قيمة الذاكرة الجماعية وضرورة صونها، إلى جانب التأكيد على مبادئ العدالة وحقوق الشعوب، ودور لبنان التاريخي في احتضان الأرمن ومساهمتهم في نسيجه الاجتماعي والوطني.

وأكّد رئيس الجمهورية جوزاف عون في هذه الذكرى استذكار ضحاياها، قائلًا: “نستذكر بألم عميق ضحايا هذه المأساة الإنسانية ونستحضر معاني الصمود والتمسّك بالهوية”.
وأضاف: “شكّل لبنان ملاذًا آمنًا للأرمن الذين وجدوا فيه وطنًا ثانيًا، فأسهموا في بنائه وازدهاره، وأصبحوا جزءًا لا يتجزّأ من نسيجه الوطني وتعدّديته الغنية. إحياء هذه الذكرى يشكّل مناسبةً للتأكيد على أهمية صون الذاكرة الجماعية، وتعزيز قيم العدالة والكرامة الإنسانية، والعمل من أجل مستقبلٍ يسوده السلام والاحترام المتبادل بين الشعوب”.
وحيّا الرئيس عون الشعب الأرمني، قائلًا: “نؤكد تمسّك لبنان برسالته كأرض للحرية والتنوّع، وإيمانه بأنّ التمسّك بالذاكرة يشكّل ركيزةً أساسيةً في العمل على منع تكرار المآسي”.

من جانبه، كتب النائب نديم الجميّل عبر منصة “إكس”: “حاولوا يلغوا شعب كامل وحضارة عمرها آلاف السنين، لكن سقط الطغيان، وبقي الشعب، وبقيت الحضارة. الذاكرة أقوى من النسيان، والحقيقة ما بتنمحى مهما طال الزمن”.

كما استذكر رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل الذكرى الـ111 للإبادة الأرمنية، مشيرًا إلى أنّ لبنان يدرك معنى “ذاكرة الدم ووجع المجازر”.
وقال باسيل في تصريح إنّه “منذ عام 1915 حتّى اليوم، يُعلّمنا التاريخ أنّ الكراهية إذا لم تُكسر فإنها تعود بأشكال مختلفة”، مضيفًا أنّ “النسيان خطر، والعدالة هي الطريق الوحيد لمنع تكرار المآسي”.

بدورها، أحيت الأحزاب الأرمنية الثلاثة، “الطاشناق” و”الهنتشاك” و”الرامغافار”، الذكرى الحادية العشرة بعد المئة للإبادة الجماعية للشعب الأرمني، في تجمّع شعبي في كاثوليكوسية بيت كيليكيا للأرمن الأرثوذكس في أنطلياس، تخلّلته كلمات لممثلي الأحزاب الثلاثة شدّدت على “أهمية إحياء الذكرى والحفاظ على الذاكرة الجماعية التاريخية”، وكلمة لكاثوليكوس الارمن لبيت كيليكيا آرام الأول كشيشيان أكد فيها “أهمية هذه الذكرى”، داعيًا إلى “عدم التخلي عن الحقوق التاريخية”.

وأشارت الأحزاب الأرمنية إلى أنّه “لمناسبة الذكرى الحادية عشرة بعد المئة للإبادة الأرمنية، نقف اليوم في لبنان، نحن الأحزاب الأرمنية الثلاثة، وقفة وفاءٍ لشهدائنا، وتمسّكًا بحقوقنا، وتأكيدًا لاستمرار نضالنا من أجل الحقيقة والعدالة. من لبنان، البلد الذي احتضن شعبنا بعد المجازر، نستذكر أنّ الأرمن قدموا مُهجَّرين مثقلين بآلام الإبادة، لكنّهم استطاعوا أن ينهضوا ويساهموا في بناء هذا الوطن، وأن يصبحوا جزءًا لا يتجزّأ من نسيجه. لم يكن لبنان مجرّد ملجأ، بل كان شريكًا في بقاء شعبنا واستمراريته. ونستحضر في هذا السياق محطات مؤلمة ومفصليّة، من عينطورة إلى جبيل وصيدا وصور، التي شهدت على معاناة أطفالنا وعلى إرادة الحياة والصمود”.

وأكدت، في بيان، أنّ “معاناتنا ليست معزولةً، بل تتقاطع مع معاناة الشعب اللبناني الذي عرف بدوره ويلات الحروب والأزمات والاعتداءات. إنّ الألم واحد، كما أنّ الكرامة واحدة. إنّ الاعتراف بالإبادة الأرمنية ليس مسألةً رمزيةً أو تاريخيةً فحسب، بل هو واجب قانوني وأخلاقي. فإنكار الإبادة لا يطمس الماضي فقط، بل يقوّض أسس القانون الدولي، ويفتح الباب أمام تكرار الجرائم. وعندما تمرّ الجرائم من دون محاسبة، تتحوّل إلى سابقة خطيرة تهدّد الإنسانية جمعاء”.

ولفتت الأحزاب الأرمنية إلى أنّه “في ظلّ ما نشهده اليوم من جرائم وانتهاكات إسرائيلية تمرّ من دون عقاب، نؤكّد أنّ الصمت الدولي والتقاعس عن تحقيق العدالة، بما في ذلك ما تعرّض له شعبنا في أرتساخ (‏ناغورنو كاراباخ) من تطهير عرقي، يُشكّلان امتدادًا لنهج الإفلات من العقاب الذي سمح بوقوع الإبادة في الماضي. إنّنا لا نطلب العدالة فقط، بل نناضل من أجل تحقيقها”، مشدّدةً على أنّ “الاعتراف بالإبادة ليس متعلقًا بالماضي وحده، بل هو ضرورة لحماية المستقبل. فالعدالة تُعيد الكرامة للضحايا، وتعزّز القواعد القانونية الدولية، وتدفع أي معتدٍ إلى التفكير مليًّا قبل ارتكاب الجرائم”.

واعتبرت أنّ “قضيتنا ليست قضية فئوية أو طائفية، بل هي قضية إنسانية عادلة. فحين تُنكر الإبادة في أي مكان، تصبح ممكنة في كل مكان. ومع تآكل القانون الدولي الإنساني، والتطبيق الانتقائي للعدالة وفق مصالح القوى الكبرى، تتزايد المخاطر على الشعوب الصغيرة، وتتكرّس بيئة تشجّع على العنف بدل ردعه. ومن لبنان، نجدّد تمسّكنا بقيم العيش المشترك، وبالحوار، وبرفض خطاب الكراهية، فلبنان يستمدّ قوّته من تنوّعه، ومن قدرتنا على مواجهة الألم من دون السقوط في فخ الظلم”، مؤكدة أنّ “عالمًا يفشل في الاعتراف بالإبادة، هو عالم يمهّد لتكرارها، فالعدالة ليست خيارًا، بل ضرورة”.

من جهته، شدّد الكاثوليكوس آرام الأول في كلمته على “التمسّك بسيادة لبنان ووحدة أراضيه”، داعيًا تركيا إلى “الاعتراف بالإبادة الأرمنية”. ووجه رسالةً إلى الشعب الأرمني، دان فيها “السياسة الإسرائيلية التوسعية”، وجدّد التأكيد على “تمسّك الشعب الأرمني بسيادة لبنان ووحدة أراضيه”. وقال: “نرفض أيَّ علاقةٍ دبلوماسية أو اقتصادية مع تركيا وأذربيجان تُبرم على حساب حقوقنا الوطنية العليا. إنّ الاعتراف بالإبادة الأرمنية والتعويض عن حقوقنا المُغتصبة من قبل تركيا، وعودة شعب أرتساخ (ناغورنو كاراباخ) واستعادة حكمه الذّاتي بضمانات دولية وحماية المعالم الدينية والتّاريخية وإطلاق سراح الأسرى الأرمن المعتقلين في باكو من قبل أذربيجان، تبقى الركائز الأساسية لمطالبنا”، مناشدًا “حلّ القضايا في المنطقة عبر المفاوضات السياسية، مع الحفاظ على أمن دول المنطقة وسلامة أراضيها وسيادتها”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us