من بنما إلى مالاغا: تداعيات أزمة مضيق هرمز اللوجستيّة

ترجمة هنا لبنان 24 نيسان, 2026

كتب Mario Chartouni لـ “Ici Beyrouth”:

يشهد مضيق هرمز الّذي يعبره عادة نحو 20 مليون برميل من النّفط يوميًّا، أي ما يقارب ربع تجارة النّفط العالميّة المنقولة بحرًا، حالة شلل غير مسبوقة. ويُعتبر إغلاقه، وفق وكالة الطّاقة الدوليّة (AIE)، أكبر اضطّراب مُسجَّل في الإمدادات، على الإطلاق، متجاوزًا صدمات النّفط في سبعينيّات القرن الماضي وأزمة فقدان الغاز الروسيّ بعد غزو أوكرانيا مجتمعة.
وقد انهارت حركة العبور التجاريّ اليوميّة بنسبة 97% في خلال أيّام قليلة، وفق بيانات شركة Clarksons Research الّتي جمعها مؤتمر الأمم المتّحدة للتّجارة والتّنمية (الأونكتاد)، إذ تراجعت من 129 سفينة إلى أقلّ من خمس سفن. ولم يقتصر هذا الشّلل على الخليج، بل أعاد توجيه التدفّقات عبر شبكة النّقل البحريّ العالميّة، واضعًا ممرّات، كانت تعمل بشكل طبيعيّ، تحت ضغط غير مسبوق.

قناة بنما تحت ضغط متصاعد
طالت أبرز التّداعيات الموثّقة قناة بنما. فمع انقطاع الامدادات القادمة من الخليج، اتّجهت الدول الآسيويّة، خصوصًا الهند، المستهلكة الكبرى لغاز البترول المسال (GPL) المستخدم في الطّهو المنزليّ، نحو المورّدين الأميركيّين. وتشكّل قناة بنما المسار الأكثر مباشرة بين ساحل خليج الولايات المتّحدة والأسواق الآسيويّة، ما جعلها تمتصّ هذا التحوّل في الطّلب.
وسجلت هيئة قناة بنما ما بين 38 و40 عبورًا يوميًّا، مقابل توقّعات أوليّة عند 34، بحسب المديرة المساعدة إيليا إسبينو دي ماروتا.
كما ارتفعت فترات الانتظار إلى 3.5 أيّام في المتوسّط، وهو أعلى مستوى منذ الجفاف التاريخيّ في 2023-2024، فيما قفز متوسّط أسعار مزادات أولويّة العبور من 55 ألف دولار في بداية الفترة إلى 385 ألف دولار بين آذار ونيسان، وفق بلومبرغ.
وتجدر الإشارة إلى أنّ قناة بنما لا تعوّض تعطّل هرمز بشكل مباشر، بل تعكس إعادة توزيع الطّلب الأميركيّ النّاتج عن اضطّراب الإمدادات عبر المضيق.

رأس الرّجاء الصّالح… صمّام لتخفيف الضّغط
بالنسبة إلى خطوط الملاحة بين آسيا وأوروبا، كذلك آسيا والسّاحل الشرقيّ للولايات المتّحدة، يتمثّل خيار التحوّل الرّئيس في الالتفاف حول إفريقيا. وقد أعادت شركات Maersk و CMA CGM وHapag-Lloyd توجيه جزء كبير من أساطيلها نحو هذا المسار منذ أيّام الأزمة الأولى.
وقد امتد زمن الرّحلات بشكل ملحوظ، إذ تشير تقديرات شركة الاستشارات Drewry المتخصّصة في النّقل البحريّ واللوجستيّات إلى زيادة تتراوح بين 10 و14 يومًا لكلّ رحلة، ما يعني عمليًّا خسارة نحو رحلتيْن إلى ثلاث رحلات كاملة سنويًّا، بالنسبة إلى السّفن الّتي تنفّذ دورات متعدّدة في العام.
كما يقدّر مؤتمر الأونكتاد إنّ هذا التّحويل يضيف نحو 400 ألف دولار من التّكاليف المرتبطة بانبعاثات الكربون في كلّ رحلة، على سفينة حاويات كبيرة ضمن نظام تجارة الانبعاثات الأوروبيّ. وهكذا تتحوّل أزمة مضيق هرمز إلى كلفة غير مباشرة تمتدّ آثارها إلى طرق الملاحة عبر القارّة الإفريقيّة.

باب المندب تحت تهديد إيرانيّ
أعاد إغلاق مضيق هرمز إثارة المخاوف بشأن باب المندب، المضيق اليمنيّ الّذي يتحكّم في المدخل الجنوبيّ للبحر الأحمر، وبالتّالي في الوصول إلى قناة السّويس. فقد حذّر علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى الجديد مجتبى خامنئي، من أنّ قيادة موحّدة لجبهة “المقاومة” قد تنظر إلى باب المندب بالمنطق عينه الّذي يُدار به ملفّ هرمز. وكان الحوثيّون قد أظهروا قدرتهم على تعطيل هذا الممرّ بين عاميْ 2023 و2025.
وبحسب قناة الجزيرة، من شأن إغلاق المضيقيْن بشكل متزامن أن يوقف نحو ربع إمدادات الطّاقة العالميّة. وبهذا، تجد قناة السّويس نفسها في وضع تطويق مزدوج، إذ ألغت هيئة قناة السّويس تخفيضًا بنسبة 15% على رسوم عبور السّفن الكبيرة، بينما تراجع العبور اليوميّ إلى 56 سفينة مقابل متوسّط تاريخيّ يبلغ 64.

مضيق مالاغا في حالة تأهّب
إلى الشّرق، أعادت الأزمة إحياء المخاوف طويلة الأمد بشأن مضيق مالاغا. فقد أكّدت وزيرة خارجيّة سنغافورة، فيفيان بالاكريشنان، إنّ بلادها لن تشارك في أي محاولة إغلاق في المنطقة، أو اعتراض، أو فرض رسوم عبور، وإنّ هذا الموقف نُقل إلى كلّ من بكين وواشنطن.
ويعكس هذا التّحذير حجم الهواجس الاستراتيجيّة القائمة: ففي حال اندلاع مواجهة بين الولايات المتّحدة والصّين في المحيط الهادئ، قد لا يشكّل ما يحدث اليوم في مضيق هرمز سوى مقدّمة لاختبار أوسع. ومن جانبه، ذكّر الرّئيس الإندونيسي برابوو في الثّامن من نيسان بأنّ 70% من طاقة شرق آسيا وتجارتها تمرّ عبر المضائق الإندونيسية.

أنابيب غير كافية لتعويض الأزمة
في مواجهة استحالة الالتفاف على مضيق هرمز على نطاق واسع، فعّلت دول الخليج بدائلها البريّة. فقد كثّفت السعوديّة استخدام خطّ أنابيب بترو لاين باتّجاه ينبع، الّذي تبلغ طاقته الفعليّة نحو 4.5 ملايين برميل يوميًّا وفق رويترز، بينما فعّلت الإمارات خطّ حبشان-الفجيْرة بطاقة تتراوح بين 1.5 و1.8 مليون برميل يوميًّا.
لكنّ وكالة الطّاقة الدوليّة تؤكّد إنّ هذه البدائل مجتمعة لا تمثّل سوى جزء محدود من التدفّقات المعتادة عبر هرمز، ولا توجد أي مسارات بديلة للغاز الطبيعيّ المسال. كما أنّ الصّادرات السعوديّة عبر ينبع تنتهي في البحر الأحمر، حيث تعود للاعتماد على مضيق باب المندب، أي استبدال نقطة اختناق بأخرى.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us