لبنان على أبواب واشنطن… والانتماء العربي؟!

لم يعد مقبولاً أن يبقى لبنان على هامش التحولات الكبرى والنظام العربي الجديد. فكما للعرب حقوق على لبنان، للبنانيين أيضاً حق في دعم عربي فعلي. وبين واشنطن والعواصم العربية، يتحدد اليوم موقع لبنان: إما شريكاً في رسم ملامح المرحلة، أو ساحةً تتقاطع فوقها المصالح. وفي هذا الاختبار، لا يملك لبنان ترف أن يُترك وحيداً!
كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:
يقف لبنان اليوم عند مفترق طرق دقيق، تفرضه تحولات إقليمية متسارعة تعيد رسم خرائط النفوذ والتوازنات في الشرق الأوسط، من غزة إلى إيران، وصولاً إلى جنوبه الذي يرزح تحت وطأة التصعيد والدمار. وفي خضم هذه اللحظة البالغة الحساسية، تبرز الزيارة المرتقبة لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن ولقاؤه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، كاستحقاق سياسي مفصلي قد يتجاوز طابعه الثنائي، ليفتح الباب أمام مسارات تفاوضية أوسع مع إسرائيل، قد تبدأ بترتيبات أمنية ولا تنتهي عند حدود تفاهمات سياسية، ترسي أسس السلام المنشود بين شعوب المنطقة.
غير أنّ جوهر التحدي لا يكمن في طبيعة هذه المفاوضات أو مآلاتها فحسب، بل في موقع لبنان منها: هل سيكون شريكاً في صياغة ما يُرسم، أم متلقياً لنتائج تفاهمات تُعقد بين القوى الكبرى؟ والسؤال الأكثر إلحاحاً: هل يُترك رئيس جمهورية يقسم على عروبة لبنان، وهو الرئيس المسيحي الوحيد بين نظرائه العرب، وحيداً في مواجهة استحقاق بهذا الحجم، أم يُحتضن عربياً بما يوازي خطورة المرحلة؟
من هنا، تتقدم الحاجة إلى مبادرة عربية عاجلة تضع لبنان في صلب الأولويات، لا في هامش البيانات التقليدية أو الاستعادة الرمزية لمبادرات تجاوزتها الوقائع. فلبنان لم يعد يحتمل ترف الانتظار. يرزح تحت عبء يلامس مليون نازح من مناطقه الجنوبية، ودمار طاول عشرات البلدات، فيما تحاول إسرائيل فرض وقائع جيوسياسية جديدة عبر إعادة رسم حدود ميدانية ووقائع عسكرية مستحدثة “الخط الأصفر”، في تجاوز واضح للحدود المعترف بها دولياً. أمام هذه المعطيات، يصبح لزاماً على لبنان أن يفتح قنوات التشاور العميق مع العواصم العربية المؤثرة، لا طلباً للدعم فحسب، بل شراكةً في تحديد الخيارات.
خصوصية لبنان لا تنبع فقط من موقعه الجغرافي أو تركيبته الداخلية، بل أيضاً من تركيبته السياسية والدستورية. فالرئيس اللبناني، بوصفه الرئيس المسيحي الوحيد في العالم العربي، يقسم على دستور ينص صراحة على عروبة لبنان ونهائية كيانه. هذه المعادلة تمنح العروبة بُعداً يتجاوز الانقسام السياسي أو الاصطفاف الديني، لتغدو إطاراً حضارياً وثقافياً جامعاً. ومن هنا، يصبح لبنان جسراً بين المكونات، لا ساحةً للصراعات، وشريكاً طبيعياً في أي نظام عربي قيد التشكل.
في المقابل، يفرض هذا الانتماء مسؤولية مزدوجة: حق لبنان في أن يكون شريكاً في القضايا المصيرية التي تمسه، وواجبُه في ألا ينفرد بقرارات ذات انعكاسات إقليمية. وهذا ما يستدعي تنسيقاً وثيقاً مع العواصم العربية الفاعلة، وفي مقدمها الرياض والقاهرة، بما يضمن مقاربة متوازنة لأي مسار تفاوضي مع إسرائيل.
الواقع أنّ المنطقة تشهد ولادة نظام عربي جديد، تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية مع التفاهمات السياسية، وتُرسم ملامحه عبر مشاريع كبرى وممرات تجارية عابرة للحدود، من الخليج إلى أوروبا مروراً عبر إسرائيل. وفي خضم هذه التحولات، يبدو لبنان خارج المشهد، أو في أحسن الأحوال متأثراً سلبياً به من دون أن يكون شريكاً فاعلاً في صناعته. وهذا ما يطرح تساؤلات جوهرية حول موقعه ودوره في المرحلة المقبلة.
داخلياً، لم يعد مبدأ التفاوض مع إسرائيل موضع رفض مطلق، بقدر ما يثير نقاشاً حول شكله وسقوفه. فغالبية القوى السياسية تدرك أنّ التفاوض بات جزءاً من الواقع الإقليمي، في ظل انخراط دول عربية في مسارات تفاهم متعددة. إلا أنّ القلق يتمحور حول طبيعة الضغوط التي قد ترافق هذا المسار، واحتمال انتقاله من الإطار الأمني إلى فرض وقائع سياسية جديدة، في سياق مقاربة أميركية تسعى إلى تسريع إيقاع التسويات، لا بل فرض السلام بالقوة.
من هنا، تبرز ضرورة “تحصين” الموقف اللبناني، داخلياً عبر توافق وطني صلب، وخارجياً عبر احتضان عربي واضح. احتضان لا يفرض إملاءات، بل يوفر شبكة أمان سياسية تتيح للبنان التفاوض من موقع قوة نسبية، لا من موقع عزلة أو ضعف.
إن الدعوة إلى تفعيل دور جامعة الدول العربية، أو إلى عقد لقاءات قمة تجمع الرئيس اللبناني بنظرائه العرب، لم تعد ترفاً دبلوماسياً، بل ضرورة استراتيجية. فلبنان، وهو على أعتاب استحقاق تفاوضي دقيق، يحتاج إلى غطاء عربي يواكب خطواته ويحصّن قراراته.
لم يعد مقبولاً أن يبقى لبنان على هامش التحولات الكبرى والنظام العربي الجديد. فكما للعرب حقوق على لبنان، للبنانيين أيضاً حق في دعم عربي فعلي. وبين واشنطن والعواصم العربية، يتحدد اليوم موقع لبنان: إما شريكاً في رسم ملامح المرحلة، أو ساحةً تتقاطع فوقها المصالح. وفي هذا الاختبار، لا يملك لبنان ترف أن يُترك وحيداً!
مواضيع مماثلة للكاتب:
معركة الدولة: إنهاء زمن الميليشيات | 13 نيسان: لبنان بين ذاكرة البوسطة ومخاض السلام! | قيامة لبنان تبدأ بقيامة الدولة! |




