الجولة الثالثة ترسم الملامح.. هل يفتح التفاوض مع إسرائيل باب السلام؟


خاص 8 أيار, 2026

مع كل جولة جديدة من المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية تتصاعد الأسئلة حول الجهة المخوّلة إدارة هذا الملف، وآلية اتخاذ القرار، وحدود الصلاحيات في نظام سياسي قائم على التوازنات الدقيقة، ما يعكس محاولة لبنانية لإعادة تعريف موقع الدولة ودورها في مقاربة أحد أكثر الملفات حساسية في ظل تداخل الاعتبارات السيادية مع الانقسامات الداخلية

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يعود ملف التفاوض بين لبنان وإسرائيل إلى الواجهة مع انطلاق التحضيرات لجولة ثالثة من المحادثات في واشنطن، وسط مناخ يختلط فيه التصعيد العسكري بالرهانات السياسية. هذه الجولة لا تبدو مجرد امتداد لما سبقها، بل تحمل مؤشرات على محاولة جدية لإعادة رسم مسار التفاوض، مدفوعة بضغط أميركي متزايد يسعى إلى نقل الحوار من إطاره المحدود إلى مستوى أكثر تأثيرًا.
وبين اندفاعة أميركية لتوسيع قنوات التواصل، يقارب لبنان هذا المسار بحذر واضح، متمسكًا بشروطه ومحدداته، في حين تستمر إسرائيل في إدارة المشهد وفق مقاربة مزدوجة تجمع بين الانخراط غير المباشر في التفاوض والحفاظ على عملياتها الميدانية في الجنوب. هذا التباين في المواقف يضفي على الجولة الثالثة طابعًا مفصليًا، حيث تختبر الأطراف حدود الممكن بين استمرار التوتر وفتح نافذة نحو تسوية محتملة.
في موازاة الحراك الدبلوماسي المتسارع الذي تقوده واشنطن لإحياء مسار التفاوض بين لبنان وإسرائيل، يتقدّم النقاش الداخلي في لبنان إلى الواجهة، متخذًا طابعًا دستوريًا وسياسيًا يتجاوز حدود التطورات الميدانية. فمع كل جولة جديدة من المحادثات، تتصاعد الأسئلة حول الجهة المخوّلة إدارة هذا الملف، وآلية اتخاذ القرار، وحدود الصلاحيات في نظام سياسي قائم على التوازنات الدقيقة. هذا الجدل لا ينفصل عن السياق الإقليمي، بل يعكس محاولة لبنانية لإعادة تعريف موقع الدولة ودورها في مقاربة أحد أكثر الملفات حساسية، في ظل تداخل الاعتبارات السيادية مع الانقسامات الداخلية.

وفي خضم هذا الجدل الداخلي حول الصلاحيات الدستورية وحدود القرار السياسي، يقدّم الكاتب والصحافي السياسي إيلي بدران قراءة مختلفة للمادة 52 من الدستور اللبناني، التي تمنح رئيس الجمهورية صلاحية التفاوض وإبرام الاتفاقات الدولية، معتبرًا أنّ هذا النص يفتح الباب أمام إمكانية تولّي رئيس الجمهورية مهمة التفاوض بشأن اتفاق سلام مع إسرائيل.
وينطلق بدران في طرحه من اعتبارين أساسيين: الأول يتمثل في وقف نزيف الدماء الذي يتكرر في لبنان كل عقد من الزمن، والثاني يرتبط بالحاجة الملحّة لدى اللبنانيين إلى الاستقرار، بما يتيح لهم إعادة بناء قدراتهم الاقتصادية. ويضيف أنّ المرحلة الحالية تستدعي، برأيه، “أخذ استراحة” من صراعات الإقليم والتفرغ لتنمية الاقتصاد الوطني.
وفي سياق متصل، يرفض بدران حجة البعض القائلة إنّ الذهاب إلى مفاوضات مباشرة أو التفاوض على اتفاق سلام مع إسرائيل يحتاج إلى توافق داخلي شامل، معتبرًا هذا الطرح “مغالطة سياسية”. ويشير إلى أنّ بعض الأطراف في لبنان، وتحديدًا حزب الله، اتخذ قرارات عسكرية منفردة من دون إجماع وطني، سواء في ما سُمي “حرب الإسناد لغزة” أو “حرب إسناد إيران”.
ويرى أنّ أي اتفاق مستقبلي بين لبنان وإسرائيل سيُبرم وفق الأصول الدستورية، حيث تتولى الحكومة اللبنانية التفاوض والتوقيع، ثم يُحال الاتفاق إلى مجلس النواب لإقراره بالأكثرية، وبعدها يوقعه رئيس الجمهورية ليصبح نافذًا.
ويعتبر بدران أنّ التذرع بمفهوم “الميثاقية” أو العودة إلى اعتبارات ما بعد أحداث 7 أيار في بيروت، وما رافقها من إعادة إنتاج لنظام يقوم على التعطيل والانقسام المذهبي، لم يعد مقبولًا في المرحلة الحالية، على حد تعبيره.
ويضيف أنّ أي اتفاق يتم التوصل إليه مع الجانب الإسرائيلي، سيُعرض على مجلس النواب، وهو ما لم يحدث – بحسب قوله – بالشكل نفسه في اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، حيث تم التوصل إلى الترسيم مع إسرائيل من دون أن يكون الاتفاق مع السلطة الفلسطينية.
ويرى أنّ هذا المسار يطرح إشكالية سياسية تتعلق بالاعتراف الضمني بحدود إسرائيل، ما يعني، وفق تحليله، سقوط صفة العداوة أو على الأقل تآكل الحظر السياسي الذي كان مفروضًا على التواصل معها.
ويختم بدران بالإشارة إلى أنّ كثيرًا من الحجج التي تُستخدم اليوم في مواجهة رئيس الجمهورية بشأن أي مسار تفاوضي، سبق أن تم تجاوزها عمليًا، سواء خلال مفاوضات سابقة خاضها حزب الله مع الولايات المتحدة، أو في سياقات سمحت بها إيران، ما يجعل هذه الاعتراضات، برأيه، غير متسقة مع السوابق السياسية القائمة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us