“الحزب” خائف من الجولة الثالثة للمفاوضات

تشير المعطيات إلى أنّ قطار المفاوضات المباشرة أصبح حقيقة راسخة لا يمكن إلغاؤها. ويدرك “الحزب” ومشغله الإيراني أنّ ظهور نتائج هذه المفاوضات مسألة وقت لا أكثر ولا أقل
كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:
صوّب “حزب الله” أمس نيرانه السياسية بغزارة على الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وتمثّل هذه الجولة، التي تستضيفها واشنطن يومي الخميس والجمعة المقبلين، محطة متقدمة في مسار هذه الحركة السياسية غير المسبوقة منذ عقود بين البلدين. ويخشى الحزب أن تفضي الجولة هذا الأسبوع إلى رسم إطار سيؤدّي حتماً إلى سلام يقفل نهائياً بوابة الحروب التي ابتليَ بها لبنان منذ ستينيات القرن الماضي ولا يزال حتى اليوم.
لذا، يستعدّ السفير سيمون كرم لترؤس الوفد اللبناني المفاوض، إلى جانب سفيرة لبنان في أميركا ندى حمادة معوض، وضابط برتبة عالية، وموظف يتولى تدوين المحاضر. وكشفت أوساط إعلامية أنه تشكّل فريق دعم يقيم في بيروت ويتولى مواكبة المفاوضات، ويضم السفيرين السابقين الماروني أنطوان شديد والدرزي شوقي بو نصار، والأرثوذكسي رئيس معهد الشرق الأوسط ومديره التنفيذي الباحث السياسي بول سالم، والسنّي الخبير القانوني محمد العالم. وقالت الأوساط إنّ مهمة الفريق التواصل المفتوح مع السفير كرم والتنسيق معه حول كل ما يُطرح على طاولة المفاوضات تحت سقف تمسك لبنان بالثوابت الوطنية التي هي بمثابة خريطة طريق لن يحيد عنها وينظر إليها بوصفها أولوية على جدول أعمال المفاوضات.
في المقابل، ذهب عضو المجلس السياسي في “حزب الله” الوزير السابق محمود قماطي، ضمن حملة الحزب الشعواء على هذه المفاوضات إلى القول “إنّ رئيس الجمهورية اللبنانية يريد أن يجري تفاوضاً مباشراً مع العدو الإسرائيلي في ظل انقسام لبناني، وعليه فإننا نسأله، بأي حق تتجاوز ركناً أساسياً في الدولة وهو رئيس مجلس النواب نبيه بري؟” فهل ما قاله قماطي يستند الى وقائع فعلية تتصل بموقف الرئيس بري؟
يأتي الجواب الذي يدحض كلياً ادّعاء قماطي الذي حاول توظيف الرئاسة الثانية في حملة “حزب الله” على المفاوضات. فقد كشفت صحيفة “الشرق الأوسط” في عددها الصادر السبت الماضي أنّ الرئيس بري “لن يكون منزعجاً إذا توصلت (المفاوضات) لتثبيت الثوابت الوطنية التي يتمسك بها لبنان، وتشكّل نقطة التقاء بينه وبين خصومه السياسيين”. ولفتت الصحيفة إلى “أنّ بري وإن كان لا يؤيد المفاوضات المباشرة، فإنه يتمايز عن حليفه “حزب الله” بامتناعه عن إشهار سلاحه بالمفهوم السياسي للكلمة في وجه الوفد المفاوض، خصوصاً أنّ علاقته برئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام متينة ولا تشوبها شائبة، كما ينقل عنه زواره، وهي إلى مزيد من التنسيق والتشاور من موقع الاختلاف حول أي مفاوضات نريد”.
بدت حملة قماطي، وهو أحد أفراد جوقة انخرط فيها عدد من نواب “حزب الله” في الأيام الأخيرة ضد المفاوضات، ليست موجهة ضد الرئيس جوزاف عون حصراً، وإنما ضد الرئيس بري أيضاً الذي يمثل الآن الاعتراض غير المعلن على نهج الانتحار الذي سلكه “حزب الله” – ولا يزال – ما ألحق بلبنان عموماً والشيعة خصوصاً أفدح الخسائر التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ لبنان. وبات واضحاً أنّ “حزب الله” صار أداة إيرانية بالكامل في مجرى الصراع الدائر في لبنان، ولا يمكن الرهان على أي مقدار من انتماء لبناني عند الحزب.
وأطلت بالأمس وسائل الإعلام الإيرانية لتؤكد أنّ “حزب الله” هو جهة إيرانية في لبنان، تحت عنوان “الشرق الأوسط الجديد”: كيف تحوِّل إيران “وحدة الساحات” من سلاح ميداني إلى معادلة ردع دولية؟” كتبت وكالة “تسنيم” الإيرانية تقول: “لطالما روّج البعض بأنّ “وحدة الساحات” مجرد شعار دعائي ترفعه طهران لتجميل هزائمها، لكن ما حدث في الأشهر الأخيرة أثبت العكس تماماً”. أضافت: “حين تحولت غزة إلى بركان، لم يكن لبنان ولا اليمن ولا العراق مجرد متفرجين. كانوا جزءاً من منظومة قتالية مترابطة، تتحرك وكأنها جسد واحد. إيران لم تصنع هذا الترابط بين ليلة وضحاها؛ لقد استثمرت فيه لسنوات عبر الخبرة والتدريب وبناء القدرات الصاروخية وتوحيد غرف العمليات، والنتيجة؟ باتت أي مغامرة إسرائيلية محتملة مكلفة إلى درجة الردع”.
ولفتت إلى أنّ “إصرار طهران على ربط وقف الحرب في غزة بهدنة في لبنان وتهدئة في البحر الأحمر لم تكن صدفة، بل هي انعكاس لانتصار دبلوماسي – ميداني إيراني صامت”.
وخلصت “تسنيم” الى القول: “تدرك طهران جيداً أنّ النصر الحقيقي لا يُحقق فقط بتدمير دبابة أو إسقاط طائرة مسيرة. النصر الحقيقي هو فرض قواعد اشتباك جديدة تعترف ضمنياً بمحور المقاومة كحقيقة إقليمية لا يمكن تجاوزها. لذلك، تطالب إيران اليوم بتضمين أي تفاهمات مستقبلية بنداً (ولو غير معلن) يضمن أنّ وقف إطلاق النار شامل ومترابط. هذا يعني عملياً:
– اعتراف دولي بحق حلفاء إيران في الرد على أي عدوان.
– تقليص هامش المناورة الإسرائيلية منعاً لانزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.
– تحويل البحر الأحمر والحدود اللبنانية إلى خطوط تماس دبلوماسية وليس مجرد ساحات قتال ثانوية”.
من ناحيتها، قرأت قناة i24NEWS العبرية قبل يوميّن الجولة الثالثة من محادثات إسرائيل ولبنان، فقالت إنّ انسحاب الجيش الإسرائيلي ليس قيد النقاش قبل نزع سلاح “حزب الله”. وركزت على أنّ الوفد الإسرائيلي يشمل مسؤولين من الجيش الإسرائيلي ومجلس الأمن القومي الإسرائيلي، لما يعرف بأنه مناقشات وعمل على اتفاق مستقبلي. وسيقود الوفد الإسرائيلي السفير لدى واشنطن يحيئيل لايتر.
وتأتي هذه الجولة بعد فشل الأميركيين في تنظيم قمة ثلاثية بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزاف عون، عقب رفض اللبنانيين لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي. هذه المرة، ستصل فرق عمل من إسرائيل ولبنان أيضاً، مع توقع أن تركز المناقشات على نزع سلاح “حزب الله”، وقضايا الحدود، ومطالبة لبنان بانسحاب إسرائيل من الجزء الجنوبي من البلاد. أوضحت إسرائيل أنه ” لا يوجد حالياً نقاش حول الانسحاب. والقضية ليست مطروحة حتى يتم نزع سلاح “حزب الله”. وتصرّ إسرائيل على تنفيذ قرار مجلس الأمن الرقم 1701. ويقول المسؤولون الإسرائيليون إنهم يحظون بدعم أميركي لهذه المطالب ويشجعون التصريحات الحازمة التي أدلى بها وزير الخارجية ماركو روبيو هذا الأسبوع، عندما دافع عن حقّ إسرائيل في شن ضربات في لبنان رداً على انتهاكات “حزب الله”.
من ناحيته، أشار عضو مجلس الشيوخ الأميركي عن الحزب الجمهوري ليندسي غراهام، إلى أنّ “أيّ تسوية تفاوضيّة مع طهران يجب أن تشترط إنهاء رعاية إيران الرسمية للإرهاب ودعمها لجماعات مثل “حزب الله”.
وشدّد غراهام، عبر حسابه على منصّة “إكس”، على “ضرورة أن يتضمّن أي اتفاق بنودًا واضحة لا لبس فيها، تنصّ على أنّ استمرار طهران في دعم وكلائها سيؤدّي إلى مواجهتها أشدّ العواقب”، مؤكّدًا أنّه “من دون وقف الدعم الإيراني للوكلاء، لن يتحقّق الاستقرار في لبنان وسوريا، ولن تنعم إسرائيل بالأمن”.
تؤدي هذه المعطيات المتشعبة إلى أمر جوهري هو أنّ قطار المفاوضات المباشرة أصبح حقيقة راسخة لا يمكن إلغاؤها. ويدرك “حزب الله” ومشغله الإيراني أنّ ظهور نتائج هذه المفاوضات مسألة وقت لا أكثر ولا أقل. لذا، يصبح مفهوماً لماذا يشن الحزب الحملة على الجولة المقبلة من المفاوضات، حتى ولو اضطره الأمر إلى الزجّ باسم بري في ما ليس له علاقة به لا من قريب ولا من بعيد.
مواضيع مماثلة للكاتب:
مليارات إيران تحترق في النبطية | استهداف الضاحية باعتبارها إيرانية | رئيس الجمهورية لإيران: فاجأناكم مو! |




