لبنان وإسرائيل… سقوط زمن الإنكار


خاص 11 أيار, 2026

اليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود على قيام إسرائيل، يجلس لبنان معها وجهاً لوجه، لا لبحث ترتيبات ميدانية مؤقتة، بل لمناقشة تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، وترسيم الحدود، وانتشار الجيش اللبناني على الحدود، وبناء إطار أمني وسياسي دائم بين البلدين

كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:

ليس تفصيلاً أن تنعقد الجولة الأولى من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في 14 و15 أيار، أي في التوقيت نفسه الذي يوافق ذكرى إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948.
في السياسة، المحطات الزمنية ليست بريئة، والرسائل غالباً ما تُكتب بالمواعيد قبل الكلمات. فاختيار هذا التوقيت بالذات يحمل دلالات سياسية تتجاوز الشكل والبروتوكول، ويعكس انتقالاً واضحاً من مرحلة تاريخية قامت على الرفض والإنكار، إلى مرحلة جديدة عنوانها الاعتراف بالوقائع السياسية والجغرافية، والانخراط في مسار تفاوضي مباشر يُخرج لبنان من حقبة الرفض العربية لقيام الدول العبرية.
في عام 1948، رفض لبنان الاعتراف بقيام إسرائيل، وشارك إلى جانب الدول العربية في الحرب ضدها. وبعد عام واحد فقط، وقّع معها اتفاق الهدنة عام 1949 في رأس الناقورة، من دون أن يذهب نحو الاعتراف أو التسوية السياسية. ومنذ ذلك الحين، بقيت العلاقة بين البلدين محكومة بمعادلة العداء المفتوح، ثم تحوّل الجنوب اللبناني تدريجياً إلى ساحة صراع إقليمي، خصوصاً بعد تمدد النفوذ الفلسطيني المسلح، ولاحقاً النفوذ الإيراني عبر حزب الله والحرس الثوري.
اليوم، وبعد أكثر من سبعة عقود على قيام إسرائيل، يجلس لبنان معها وجهاً لوجه، لا لبحث ترتيبات ميدانية مؤقتة، بل لمناقشة تثبيت وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، وترسيم الحدود، وانتشار الجيش اللبناني على الحدود، وبناء إطار أمني وسياسي دائم بين البلدين. وهذا بحدّ ذاته يشكل رسالة واضحة بأنّ زمن المكابرة السياسية والعيش على شعارات “إزالة إسرائيل” أو تجاهل وجودها قد انتهى عملياً، وأنّ الطرفين دخلا مرحلة جديدة تقوم على إدارة الصراع تمهيداً لتحويله إلى تسوية سياسية دائمة.
الأهمية السياسية للمفاوضات لا تنبع فقط من انعقادها، بل من طبيعتها المباشرة، ومن الرعاية الأميركية الكاملة لها. فالولايات المتحدة لا تتعامل مع هذا المسار كجولة تقنية محدودة، بل كجزء من مشروع أوسع لإعادة ترتيب المنطقة على قاعدة الاستقرار والتسويات، بدلاً من الحروب المفتوحة. ولذلك تتحدث واشنطن بوضوح عن ضمان “أمن دائم لإسرائيل”، وفي الوقت نفسه “استعادة سيادة لبنان وإعادة إعماره”.
وهنا تكمن مصلحة لبنان الحقيقية. فلا إعادة إعمار، ولا استثمارات، ولا مساعدات دولية، ولا إنقاذ اقتصادي، من دون استقرار طويل الأمد على الحدود الجنوبية، ومن دون استعادة الدولة اللبنانية قرارها الأمني والعسكري كاملاً. وهذا ما يفسر تركيز الولايات المتحدة على دعم الجيش اللبناني، وعلى تثبيت سلطة الدولة وحدها، باعتبار أنّ أي سلام فعلي لا يمكن أن يتحقق بوجود فصيل تابع للحرس الثوري الإيراني، أو قوة عسكرية موازية للدولة تأخذ قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الشرعية.
لقد أثبتت العقود الماضية أنّ ربط لبنان بالمشروع الإيراني حوّله إلى ساحة استنزاف دائم. فمنذ دخول الحرس الثوري الإيراني إلى لبنان مطلع الثمانينات، جرى تحويل الجنوب إلى خط مواجهة إقليمي، ودُفع اللبنانيون مراراً إلى حروب مدمرة لم تخدم الدولة اللبنانية ولا الاقتصاد اللبناني، بل كرّست عزلة لبنان وانهياره.
هنا تحديداً تكمن حساسية القرار اللبناني. ولم يعد ممكناً استمرار سياسة الإنكار نفسها، أو إبقاء لبنان رهينة حسابات طهران وحزب الله. ولا يمكن تجاهل الضغوط التي مورست على رئيس الجمهورية لعرقلة مسار التفاوض المباشر الندي مع إسرائيل؛ اي على المستوى الرئاسي!. فالحرس الثوري وحزب الله يدركان أن أي انتقال رسمي لبناني نحو تثبيت مسار تفاوضي مباشر ومستدام، يعني عملياً سقوط وظيفة “المقاومة” كذريعة للإبقاء على السلاح خارج الدولة. ولذلك جرى التهويل سياسياً وإعلامياً لمنع تحويل المفاوضات إلى لحظة تأسيسية في تاريخ العلاقة بين لبنان وإسرائيل.
لكن الوقائع تبدو أقوى من محاولات التعطيل. فلبنان الذي فاوض إسرائيل في اتفاق الهدنة عام 1949، ثم في اتفاق 17 أيار، ثم في ترسيم الحدود البحرية عام 2022، يجد نفسه اليوم أمام استحقاق أكبر: الانتقال من إدارة النزاع إلى البحث الجدي في إنهائه. وهذا لا يعني بالضرورة تطبيعاً سريعاً، لكنه يعني بوضوح أن خيار التفاوض أصبح الطريق الوحيد المتاح لحماية لبنان واستعادة الدولة والانخراط الفعلي في مشروع سلام المنطقة… المطلوب من قبل غالبية اللبنانيين.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us