المعادلة الساقطة: سوق المقايضات الكبرى… ولبنان


خاص 15 حزيران, 2026

الخشية الفعلية تكمن في أن يتحوّل الاتفاق، إذا أبصر النور، إلى بوّابة لرفع تدريجي للعقوبات، وتحرير مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمّدة، وإعادة تعويم إيران سياسيًّا واقتصاديًّا عربيًّا ودوليًّا. وعندها يصبح السؤال أكثر حساسيّة: هل يُعاد ضخّ التمويل في شرايين الأذرع الإقليمية المرتبطة بالحرس الثوري و”الحزب” بشكل أدقّ، أم أنّ واشنطن حصلت مسبقًا على ضمانات تتجاوز الملف النووي لتطال حدود النفوذ الإيراني نفسه وتحديدًا على الحدود مع إسرائيل؟

كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:

تسقط المعادلات تباعاً في الشرق الأوسط كلّما اقترب اللاعبون الكبار من إعادة إنتاج تفاهمات مؤقتة، تُسوَّق على أنّها مدخل إلى الاستقرار، فيما هي في جوهرها إعادة توزيع مدروسة لموازين النفوذ ومصالح القوى. هكذا تبدو المداولات الأميركية – الإيرانية الجارية في ساعات مفصلية، تتأرجح بين احتمال بلوغ تفاهم أولي قد يُعلن في أي لحظة، وبين استمرار الضبابية التي تحيط بمضمونه وحدوده وما يمكن أن يضمره من تفاهمات غير مكتوبة تُنفَّذ لاحقاً على حساب الدول والساحات التي اعتادت أن تدفع أثمان التسويات الكبرى.
وفيما تتقاطع التسريبات حول لقاء افتراضي محتمل يُعقد اليوم، بمشاركة نائب الرئيس الأميركي مايك بنس ورئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، يبقى المشهد أسير الحذر. لا تأكيدات نهائية، ولا مؤشرات حاسمة على شكل المخرجات أو توقيتها. غير أنّ مجرد انتقال التفاوض إلى هذا المستوى السياسي يعني أنّ المنطقة دخلت فعلياً مرحلة إعادة التموضع، وأنّ ما يجري يتجاوز بكثير ملف التخصيب النووي أو أمن الملاحة البحرية، ليطال شكل النفوذ الإقليمي وحدود الاشتباك في السنوات المقبلة.
يبدو الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الساعي إلى إنجاز تفاهم ملتبس مع إيران، وكأنه يطمح إلى أكثر من مجرد اتفاق تقني يحدّ من مستويات التخصيب المرتفع. فالرئيس، ومع إطفاء شمعته الثمانين، يبحث عن اتفاق يبيعه للدول المصدرة للنفط: إخماد منصات الصواريخ البالستية الإيرانية المسلطة على الخليج العربي، إعادة فتح شرايين التجارة والطاقة عبر مضيق هرمز، وتقديم نفسه بوصفه الرئيس الذي نجح حيث فشلت الإدارات السابقة. لكنّ التجربة الشرق أوسطية تقول إنّ الاتفاقات التي تُعقد تحت عنوان الاستقرار، غالباً ما تُخفي تحت الطاولة مقايضات أكثر تعقيداً وأبعد أثراً.
والمفارقة أنّ سباق التسلّح، في ذروة ثورة الذكاء الاصطناعي، لم يُنتج تفوقاً حاسماً للجيوش الكبرى بقدر ما أعاد الاعتبار إلى أدوات قتالية منخفضة الكلفة، من المسيّرات إلى الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، بما خوّل الميليشيات والتنظيمات المسلحة استنزاف جيوش نظامية تمتلك أحدث الترسانات وأكثرها تطوراً، وصولاً إلى السلاح النووي. من أوكرانيا إلى غزة وجنوب لبنان، تتراجع تدريجاً معادلات الحسم العسكري التقليدي لمصلحة حروب استنزاف طويلة، تُرهق الاقتصادات وتستنزف الجبهات من دون قدرة واضحة على إنتاج انتصار كامل.
من هنا، لا يبدو أي تفاهم مع طهران قائماً حصراً على خفض نسب التخصيب النووي كافياً لتوصيفه انتصاراً أميركياً حاسماً أو إنجازاً “ترامبياً” صافياً. الخشية الفعلية تكمن في مكان آخر: في أن يتحول الاتفاق، إذا أبصر النور، إلى بوابة لرفع تدريجي للعقوبات، وتحرير مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، وإعادة تعويم إيران سياسياً واقتصادياً عربياً ودولياً. وعندها يصبح السؤال أكثر حساسية: هل يُعاد ضخ التمويل في شرايين الأذرع الإقليمية المرتبطة بالحرس الثوري وحزب الله بشكل أدق، أم أنّ واشنطن حصلت مسبقاً على ضمانات تتجاوز الملف النووي لتطال حدود النفوذ الإيراني نفسه وتحديداً على الحدود مع إسرائيل؟
هنا تحديداً، يدخل لبنان إلى صلب المشهد. فجنوبه لم يعد مجرد ساحة اشتباك حدودية، بل أصبح بنداً تفاوضياً قائماً بذاته، سواء بشكل أساسي في المفاوضات المباشرة التي ترعاها واشنطن بين لبنان وإسرائيل، أو على هامش المداولات الأميركية – الإيرانية. والمعادلة التي حاول حزب الله تكريسها منذ أشهر، عبر ربط الجبهة اللبنانية بالحسابات الإيرانية المباشرة تحت عنوان “الإسناد”، تبدو اليوم أكثر هشاشة من أي وقت مضى أمام حسابات إسرائيل وضمان أمنها.
ذلك أنّ الجنوب اللبناني، الذي استُدرج مجدداً إلى دائرة الحرب والاحتلال والدمار نصرةً للخامنئي، يجد نفسه اليوم خارج أي ضمانة فعلية. وإذا ما انتهت المفاوضات إلى تفاهمات أوسع، فإنّ الأولوية لن تكون لإنسحاب إسرائيل وبسط الدولة اللبنانية سلطتها على كافة الحدود مع إسرائيل بعد أن إرتضى الرئيس الأميركي ربط الساحة اللبنانية بالإتفاق – الهدية المرتقبة من إيران، وتحويلها “بوليس” الشرق المتوسط، وإعادة تثبيت قواعد اشتباك جديدة، أشدّ قسوة وأكثر تضييقاً على حزب الله، من شأنها إعادة إنتاج تفاهمات ما بعد عام 2000 ولكن بشروط إيرانية وأميركية… أكثر صرامة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us