قلعة الشقيف… والمُعادلة الأليمة!

ما تبدّل فعليّاً خلال الساعات الأخيرة أنّ إسرائيل لم تعد تنتظر نتائج المفاوضات كي تحدّد خطواتها، وهي تتعامل مع الوقت بوصفه عاملاً لمصلحتها، وتعمل على فرض معادلةٍ ميدانيّةٍ جديدةٍ تسبق أي تسوية محتملة. أمّا لبنان، فلا يزال يتصرّف وكأنّ هامش المناورة مُتاح إلى ما لا نهاية.
كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:
لم يكن رفع العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف حدثاً عسكريّاً عادياً يمكن إدراجه في سياق الاشتباك المفتوح جنوب لبنان. في السياسة، تتجاوز بعض الوقائع رمزيّتها المباشرة لتتحوّل إلى إعلان نوايا، وهذا تحديداً ما أرادت إسرائيل قوله في توقيتٍ شديد الحساسيّة، يتقاطع مع جولات تفاوضٍ أمنيّة وسياسيّة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية مباشرة، ومع لحظةٍ إقليميةٍ تتداخل فيها حسابات الحرب مع خرائط التسويات “الترامبيّة” الكبرى.
المؤشر الأكثر وضوحاً في المشهد الحالي هو أن إسرائيل لم تعد تتصرّف انطلاقاً من فرضيّة احتواء الخطر، بل من منطق إعادة صياغة البيئة الأمنية على حدودها الشمالية بالقوّة العسكرية. عبور نهر الليطاني وتوسيع نطاق العمليات إلى مناطق إضافية، بالتزامن مع الحديث الإسرائيلي الصريح عن “تعزيز السيطرة العملياتيّة” وإقامة خط دفاع متقدّم، يكشفان أنّ تل أبيب تتّجه عمليّاً نحو فرض منطقة عازلة بحكم الأمر الواقع، بصرف النّظر عن المفاوضات الجارية أو طبيعة الاعتراض اللبناني عليها.
الأمر لا يتعلّق فقط بجغرافيا عسكرية جديدة، بل بتحوّل سياسي في طبيعة المواجهة. فإسرائيل تتعامل مع الحرب الحالية باعتبارها فرصةً لإعادة إنتاج معادلةٍ مختلفةٍ في لبنان. تقليص هامش حركة “حزب الله”، ونقل الضغط العسكري تدريجيّاً إلى ما بعد شمال الليطاني، وصولاً إلى أي منطقة تعتبرها منصّة تهديد محتملة. من هنا يُصبح التحذير الإسرائيلي من الزّهراني وما بعده أكثر من مجرّد رسالة ميدانية؛ إنّه جزء من استراتيجية ضغط متدرّجة تهدف إلى فرض وقائع للتفاوض حولها لا أكثر.
في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية وكأنّها تتحرّك ضمن هامش ضيّق بين أولويتَيْن متناقضتَيْن: التمسّك بمطلب الانسحاب الإسرائيلي ووقف إطلاق النّار، من جهةٍ، وتجنّب الانزلاق إلى مواجهةٍ أوسع قد تشمل مناطق جديدة، من جهةٍ ثانيةٍ. إلّا أنّ المعضلة الأساسية تكمن في أن المجتمع الدولي، وخصوصاً الولايات المتحدة، لا ينظر إلى الأزمة اللبنانية بوصفها أزمة حدودية بين لبنان وإسرائيل، بل باعتبارها أزمة سيادة الدولة اللبنانية وتفلّت السلاح الإيراني واحتكار الحرس الثوري الإيراني قرار الحرب والسلم من جنوب لبنان.
وهنا تحديداً تتقاطع المطالب اللبنانية مع المفاوضات الأميركية – الإيرانية الجارية. إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تضع الملف النووي الإيراني في رأس أولويّاتها، لكنّها في الوقت نفسه تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط عبر توسيع “الاتفاق الإبراهيمي”، وربط الاستقرار الإقليمي بتوسيع قائمة الدول العربية التي دعاها الرئيس الأميركي مباشرةً إلى الانضمام للاتفاق. لذلك، يصعب الاعتقاد أنّ لبنان سيبقى خارج هذه المُقايضة الكبرى، خصوصاً أنّ طهران لطالما تعاملت مع الساحة اللبنانية باعتبارها ورقة نفوذ متقدّمة لها، وتُشكِل تهديداً مباشراً لإسرائيل.
وليس تفصيلاً عابراً أن يكون رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف قد كشف عام 2024، استعداد طهران للتفاوض حول آليّات تطبيق القرار 1701، قبل أن تعود وتُحاول إدراج لبنان في أي اتفاق مرتقب مع الولايات المتحدة. فمثل هذا الطرح يعكس مقاربةً إيرانيةً تعتبر أنّ ملف السّلاح في لبنان جزء من منظومة التفاوض الإقليمي الإيراني، لا مسألة سيادية لبنانية خالصة. وهنا تكمن إحدى أخطر الإشكاليّات، في أن يبقى القرار اللبناني رهينة التوازن بين الضغوط الإسرائيلية وحسابات نفوذ الحرس الثوري الإيراني.
لكن ما تبدّل فعليّاً خلال الساعات الأخيرة أنّ إسرائيل لم تعد تنتظر نتائج المفاوضات كي تحدّد خطواتها. هي تتعامل مع الوقت بوصفه عاملاً لمصلحتها، وتعمل على فرض معادلةٍ ميدانيّةٍ جديدةٍ تسبق أي تسوية محتملة. أمّا لبنان، فلا يزال يتصرّف وكأنّ هامش المناورة مُتاح إلى ما لا نهاية.
لذلك، المعضلة اللبنانية لم تعد في توصيف الخطر، بل في الاعتراف بحجمه. فإمّا أن تنجح السلطة التنفيذية في الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها، عبر خطةٍ واضحةٍ تُكرّس احتكار السلاح بيد المؤسّسات الشرعية وتُعيد الاعتبار للقرار السيادي، وإمّا أن يجد لبنان نفسه أمام واقع جديد يُفرض عليه تدريجيّاً. جنوب مدمّر، تمدّد أمني إسرائيلي أوسع، ودولة تفقد ما تبقّى من قدرتها على التحكّم بمصيرها. وأمام فداحة التحولات الكبرى، لا تُعطى الحكومة وقتاً مفتوحاً لاتخاذ القرار واحتكار السلاح، بعد أن دخل لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى لحظة الإنذار الأخيرة.
مواضيع مماثلة للكاتب:
هرمز يقلب المعادلة… ويُسقط الكرة في ملعب الحلفاء | المعادلة الساقطة: سوق المقايضات الكبرى… ولبنان | الرئيس وحده لا يكفي! |




