هل تصمد إسرائيل من دون الولايات المتّحدة؟

ترجمة هنا لبنان 13 أيار, 2026

كتبت Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth”:

تقوم الحرب الّتي واجهت فيها إسرائيل والولايات المتّحدة إيران على بنية استراتيجية، تشكّلت عبر عقود من التحالف، والتداخل العسكريّ. وفي وقت أعادت فيه ضربات الطائرات المسيّرة الإيرانية اختبار وقف إطلاق النار في الخليج العربيّ هذا الأحد، وبينما أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مقابلة مع شبكة CBS News رغبته في تقليص المكوّن الماليّ للمساعدات الأميركية إلى الصفر في غضون عقد من الزمن، يبرز سؤال جوهريّ: هل تبقى هذه المساعدات ضرورية من أجل بقاء الدولة العبرية وصمودها؟

سبعة عقود من الدعم غير المشروط
تُعتَبر إسرائيل المستفيد الأول من المساعدات الخارجية الأميركية. فبحسب خدمة الأبحاث التابعة للكونغرس الأميركي (CRS) ، تلقّت إسرائيل منذ عام 1948 نحو 174 مليار دولار من المساعدات الثنائية، وتمويل أنظمة الدفاع المضاد للصواريخ، أي ما يعادل نحو 298 مليار دولار، بأسعار عام 2024.
وقد استمرّ هذا الدعم عبر مختلف الإدارات الأميركية، من جمهورية وديمقراطية، وترسّخ من خلال مذكرات تفاهم امتدّت على فترة عشر سنوات، وهي التزامات سياسية غير ملزِمة، تُبرَم مباشرة بين الحكومتيْن من دون مصادقة برلمانية، وتحدد مسبقًا حجم المساعدات العسكرية، وأولويات التعاون الدفاعيّ.
نصّت المذكرة الأولى، الموقعة في عهد بيل كلينتون عام 1999، على 26,7 مليار دولار على مدى عشر سنوات. وبلغت الثانية، الموقعة في عهد جورج بوش الابن عام 2007، 30 مليار دولار. أمّا الثالثة، السارية بين 2019 و2028، والموقعة عام 2016 في عهد باراك أوباما، فنصّت على 38 مليار دولار، منها 33 مليارًا كمساعدات عسكرية مباشرة، و5 مليارات لبرامج الدفاع الصاروخيّ المشترك.
وإلى جانب هذه القاعدة، أُقرت منذ السابع من تشرين الأول 2023 اعتمادات طارئة كبيرة، بلغت 12,5 مليار دولار لعام 2024 وحده، بحسبCRS .
وقد مكّنت هذه المساعدات الجيش الإسرائيلي من بناء أحد أكثر أنظمة الدفاع الجويّ متعدّدة الطبقات تطوّرًا في العالم: القبة الحديدية، ومقلاع داود، وآرو 2، وآرو 3، إضافة إلى أحدثها، نظام الليزر الدفاعيّ “آيرون بيم”. كما موّلت اقتناء مقاتلات F-35 ، حيث تُعتَبر إسرائيل المشغّل الأكبر لها في خارج الولايات المتّحدة، إلى جانب مروحيات CH-53K، وطائرات التزوّد بالوقود KC-46A المستقبلية.
وبحسب مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، مثّلت المساعدات الأميركية، قبل حرب غزة، نحو 20% من ميزانية الدفاع الاسرائيلية.

علاقة في طور إعادة التشكّل
بات هذا النموذج اليوم موضع مراجعة على ضفّتيْ الأطلسيّ. ووفق صحيفة Jerusalem Post، من المتوقع أن تنطلق مفاوضات في خلال شهر أيار، لصياغة مذكرة التفاهم الجديدة، الّتي يُفترض أن تنقل العلاقة تدريجيًّا من المساعدات المباشرة إلى شراكة صناعية، وتكنولوجية متقدّمة، تشمل الليزر الدفاعيّ، والذكاء الاصطناعيّ، والأنظمة فرط الصوتية، والحوسبة الكمية.
ويعكس هذا التحول مجموعة من العوامل المتداخلة. فمن الجانب الأميركيّ، تتراجع قاعدة الدعم الحزبيّ التقليدية: إذ صوّت 40 من أصل 47 سيناتورًا ديمقراطيًّا في الفترة الأخيرة على تعطيل صفقات سلاح مع إسرائيل، بينما تعيد شريحة متزايدة من المعسكر الجمهوريّ، مدفوعة بأجندة “أميركا أولًا”، النظر في جدوى المساعدات الخارجية.
وتشير مؤسسة كارنيغي للسلام الدوليّ Carnegie Endowment إلى أنّ الدمار الواسع في غزة أحدث شرخًا في داخل القاعدة المؤيدة تقليديًّا لإسرائيل في الولايات المتّحدة. وفي هذا السياق، يعتبر معهد دراسات الأمن القوميّ الاسرائيليّ (INSS) أنّ جزءًا متزايدًا من الرأي العام الأميركيّ ينظر اليوم إلى المساعدات العسكرية كشكل من أشكال المشاركة غير المباشرة في السياسات الإسرائيلية.
أمّا من الجانب الإسرائيلي، فقد كشفت الحرب عن نقطة ضعف استراتيجية واضحة: إذ اضطرت إسرائيل في خلال عملية رفح عام 2024 إلى تأجيل عملياتها العسكرية، وتقليصها، خشية نفاد الذخائر الأميركية. وقد استخلص نتنياهو من ذلك ضرورة إطلاق برنامج للاكتفاء الصناعيّ، يحمل اسم “الأزرق والأبيض”، نسبة إلى العلم الإسرائيلي، حيث يهدف إلى تعزيز إنتاج الذخائر، والتقنيات العسكرية، محليًّا.

هل تصمد إسرائيل من دون هذه المساعدات؟
الإجابة ليست حاسمة. فمن منظور الاقتصاد الكليّ، يشير معهد INSS إلى تراجع حصة المساعدات الأميركية من الناتج المحليّ الاسرائيليّ، إلى نحو 0.5% في عام 2025، ما يعكس نمو الاقتصاد الاسرائيليّ الكبير منذ عام 2016. وتُصنَّف إسرائيل ضمن أغنى 14 دولة في العالم من حيث الدخل الفرديّ، فيما تُصدّر شركات الصناعات الدفاعية مثل Elbit Systems ، و Rafael، وIsrael Aerospace Industries نحو 70% من إنتاجها إلى عشرات الدول، ما يدرّ عليها عائدات كبيرة.
رغم ذلك، لا تزال المساعدات تمثّل نحو 15% من ميزانية الدفاع، وفق INSS، وسيكون استبدالها بالكامل مكلفًا في سياق إعادة التسلح بعد الحرب. غير أنّ التحدي الأعمق ليس ماليًّا بل تكنولوجيًّا: أي ضمان الوصول إلى أحدث المنظومات العسكرية الأميركية. فإسرائيل لا تنتج طائراتها المقاتلة، وتعتمد كليًّا على واشنطن في مقاتلات F-35. وكما تشير Jerusalem Post، يبقى من الصعب تصوّر كيفية الحفاظ على التفوق الجويّ الإسرائيلي، في حال قرّرت أي إدارة أميركية مستقبلية وقف تزويدها بهذه الطائرات.
كما تشكّل المساعدات، وفق INSS ، ركيزة مؤسسية ورمزية بالنسبة إلى التحالف، تحدّ من تقلبات السياسة الأميركية بين الإدارات المتعاقبة. وسيبعث اختفاؤها من دون بديل، بحسب مركز CFR، برسالة قوية إلى خصوم إسرائيل، مفادها أنّ أقرب حلفائها بدأ بالانسحاب.
وعليه، ليس التحوّل الجاري بقطيعة، بل هو إعادة صياغة للعلاقة: من علاقة اعتماد، إلى شراكة صناعية وتكنولوجية بين قوتيْن عسكريتيْن أعادتا معًا تشكيل معادلات الردع في الشرق الأوسط.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us