جنوب لبنان: تبلور ملامح التحضيرات الإسرائيلية شمال الليطاني

ترجمة “هنا لبنان”
كتبت ناتاشا متني طربيه لـ”Ici Beyrouth“:
يُقال إنّ الجيش الاسرائيليّ حاول التقدّم شمال نهر الليطاني قبل أن يتراجع جنوبًا، بعدما اعتُبر إبقاء القوات في تلك المنطقة مُكلفًا من الناحيتَيْن البشرية والعسكرية. إنّما، لا يبدو أنّ هذا الانسحاب قد أنهى نيّة إسرائيل بالتموضع شمال النهر، إذ تؤكد وسائل إعلام عبرية متعدّدة تهيئة الميدان منذ نحو أسبوعَيْن، تحضيرًا لاحتمال عبور هذه الخطوط.
كيف جرى إعداد الميدان؟
منذ أيّام، تتصاعد وتيرة القصف المدفعيّ، والغارات الجوية الإسرائيلية على بلدات يحمر الشقيف، وأرنون، وزوطر الشرقية، وزوطر الغربية. وتقع هذه البلدات شمال نهر الليطاني، وهي اليوم تحت سيطرة إسرائيلية. كما أنّها تشرف على نهر الخردلي ومنطقتَيْ الطيبة، ودير سريان جنوب الليطاني، وهما أيضًا تحت سيطرة الجيش الإسرائيليّ، وفق ما يوضحه القائد السابق لقطاع جنوب الليطاني، الجنرال خليل الجميّل.
وفي حديث إلى موقع “Ici Beyrouth”، يرى الجميّل أنّ هذا التقدم شكّل في الأساس “مؤشرًا إلى استعداد الجيش الإسرائيليّ لعبور الليطاني شمالًا عبر وحدات كوماندوس، بهدف السيطرة على يُحمر الشقيف، وقلعة الشقيف، وأرنون”.
وفي السياق عينه، ووفق وسائل إعلام إسرائيلية، تقدّمت وحدات من “إيغوز” والاستطلاع التابعة للّواء “غولاني”، بشكل متدرّج في المنطقة، ما أدّى إلى اندلاع مواجهات مباشرة مع مقاتلي حزب الله، لا سيّما بعد خروج عناصر من أحد الأنفاق.
كما أفادت “القناة 14” الإسرائيلية بأنّ أعمال هندسة عسكرية نُفّذت على مجرى الليطاني بهدف تسهيل عبور المدرّعات ووحدات المشاة مستقبلًا عند الحاجة. وذكرت “القناة 12” أنّ العملية استهدفت تحديدًا مناطق كانت تُستخدم لإطلاق الصواريخ، والطائرات المُسيّرة المفخّخة، باتجاه القوات الإسرائيلية. وهي قراءة يؤكّدها الجميّل، معتبرًا أنّ هدف التقدم هو “تقليص فاعليّة الصواريخ المضادّة للدروع الّتي تستهدف القوات الإسرائيلية المنتشرة في منطقة الطيبة ومحيطها”.
تضاريس مُجزأة على أرض الواقع
استعادت الفوارق بين جنوب نهر الليطاني وشماله موقعها المركزيّ في الحسابات العسكرية الإسرائيلية. ففي جنوب النهر، تُعامل إسرائيل اليوم مساحات واسعة من المنطقة كساحة عملياتٍ مباشرةٍ، فتشنّ غارات شبه يوميّةٍ، وتهدم المنازل، وتهجّر السكان، وتُراقب الأجواء بصورة دائمة.
ويشير الجميّل في هذا السياق إلى وجود “خط أصفر”، يُحدّد نطاقًا واسعًا يضم 54 قريةً، تمارس فيها القوات الإسرائيلية سيطرة عملياتيّة مباشرة، لا سيّما عبر منع الدخول، والمراقبة الجوّية المستمرّة، وتنفيذ عمليات عسكرية متكرّرة. ووفقًا له، يمتدّ هذا الخط في القطاع الغربيّ من البيّاضة إلى شمع، مرورًا بطيْر حرفا وشيهين، فيما يشمل القطاع الأوسط بلدات بيت ليف، ورشيْف، وعيناتا. أمّا القطاع الشرقيّ، فيضمّ محيْبيب، وطلوسا، وبيت ياحون، والقنطرة، وعدشيت القصَيْر، ودير سريان، والطيبة، وربّ ثلاثين، والعزّية، والعويضة، والخيام.
وأمام هذا الخط، يصف الضابط السابق نطاقًا وسيطًا يضمّ نحو 23 قريةً، يُشكّل ما يشبه منطقة عازلة فعليّة. وتخضع هذه المنطقة لمستوى مرتفع من العنف، يتمثّل في غارات شبه متواصلة، واشتباكات متكرّرة، وحركة عسكرية مكثّفة.
أمّا شمال نهر الليطاني، فتبدو الصورة مختلفة، إذ تواصل إسرائيل تنفيذ ضربات مركّزة، تستهدف قيادات، أو مخازن، أو بنى تحتية، يُعتقد أنّها تابعة لحزب الله، من دون تواجدٍ بريٍّ دائمٍ مماثلٍ لما هو قائم في الشريط الحدوديّ. وهكذا يعود خط الليطاني، الّذي كان في صلب القرار 1701 بعد حرب 2006، ليُشكّل فعليًّا حدودًا عسكريةً واقعيةً، في العقيدة الإسرائيلية الحالية.
حزب الله يراهن على الطائرات المسيّرة الانتحارية
في مواجهة هذا الضغط، يبدو أنّ حزب الله قد عدّل من استراتيجيّته. فالحزب يُقلّص نسبيًّا من استخدام الرشقات الصاروخية الواسعة، لصالح هجمات أكثر دقّة، تستهدف القوات الإسرائيلية المُنتشرة في جنوب لبنان، خصوصًا عبر طائرات مُسيّرة انتحارية من نوع FPV (First Person View)، تُدار على ارتفاع منخفض، وأحيانًا عبر ألياف بصريّة، لتفادي أنظمة التشويش الإلكترونيّ الإسرائيليّة.
ولمواجهة هذا التهديد، يعمل الجيش الإسرائيليّ على تطوير استجابةٍ عملياتيّةٍ جديدة. وقد جرى بحث أكثر من مئة مقترح تكنولوجيّ خلال الأسابيع الأخيرة، فيما يُتداول أيضًا مشروع لتصنيع طائرات مُسيّرة هجومية إسرائيليّة، بهدف تكييف القدرات مع واقع الميدان المستجدّ.
كما يُسرّع الجيش الإسرائيليّ نشر أنظمة مضادّة للمسيّرات. ووفق معلومات نقلتها وسائل الإعلام الإسرائيلية، بدأ إدخال طائرات اعتراض مُسيّرة مزوّدة بشِباكٍ، إلى جانب أنظمة مؤتمتة مدعومة بالذّكاء الاصطناعيّ، ومخصّصة للتعامل مع الطائرات الانتحاريّة التابعة لحزب الله.
وفي موازاة ذلك، يُواصل الجيش الإسرائيليّ، بحسب روايته، حملةً مكثّفةً ضدّ بنى الحزب. وقد صرّحت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيليّ باللغة العربية بأنّ أكثر من 1.100 هدف مرتبط بحزب الله قد جرى استهدافه منذ بدء ترتيبات وقف إطلاق النار، مع الإشارة إلى مقتل أكثر من 350 مقاتلًا في جنوب لبنان. ووفق الجيش، شملت الغارات مستودعات أسلحة، ومبانٍ تُستخدم لأغراض عسكرية، ومِنصّات إطلاق جاهزة، وبنى تحتيّة مختلفة تابعة للحزب.
نحو توسّع في الجبهة؟
وعند السؤال عن احتمال توسّع العمليات العسكرية الإسرائيلية، يرى الجميّل أنّ المنظومة الحالية تغطّي نحو 500 كلم²، وأنّ الخسائر الّتي يتكبّدها الجيش الإسرائيليّ تُشكّل عامل كبح لأي تقدم واسع نحو شمال الليطاني.
وفي هذا الإطار، لا يبدو توسيع الجبهة على نطاق واسع، وفق الجنرال، السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القصير، نظرًا لكلفته البشرية والعسكرية. لكنّه يطرح في المقابل احتمالًا آخر، يتمثّل في تقدم تدريجيّ نحو البقاع الغربيّ، وأعالي إقليم التفاح، عبر محاور مثل كفرحونة، وعلي الطاهر وسُجد، وصولًا إلى بلدات مثل سُحمر أو يُحمر.
ومن شأن تقدم مماثل، في حال حصوله، أن يُتيح لإسرائيل السيطرة على مرتفعات استراتيجيّة تشرف على مساحات واسعة من جنوب لبنان، ما قد يؤدّي إلى تغيير عميق في التوازن الجغرافيّ والأمنيّ في المنطقة.
مواضيع ذات صلة :
أضرار جنوب لبنان تتجاوز 1.38 مليار دولار! | الجيش الإسرائيلي: مقتل 7 من “الحزب” في جنوب لبنان (فيديو) | غارات وقصف واشتباكات.. إسرائيل تؤكد مواصلة عملياتها العسكرية في جنوب لبنان |




