المفاوضات ودوافع عدم القبول

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth”:
يُعتبَر وصول الوفد اللبنانيّ إلى واشنطن مؤشّرًا إيجابيًّا، في حين يبقى كل شيء بحاجة إلى إنجاز. غير أنّ الحكومة اللبنانية تتعامل مع هذه المفاوضات بشيءٍ من الغموض في ما يتعلق بنطاقها، وتترك للمفاوضين مهمّة تحديد هامش تحركهم. وهي مهمة بالغة الدقة ومحفوفة بالمخاطر، إذ سيواجه المفاوضون أجندة مثقلة بالتناقضات، قد تُفضي إلى تقويض العملية برمّتها. وتفاديًا لمثل هذا الانزلاق، يقتضي الأمر عملًا تمهيديًّا يُحدّد معالم المسار قبل التوغّل في مناطق ضبابية، يغلب عليها التباس الأهداف.
أمّا المسألة التمهيدية المطروحة، فهي تحديد الغاية النهائية من هذه المفاوضات، في ظلّ سياق استراتيجيّ غير مسبوق، وما يرتبط به من تفويضات. فالهدف المعلن الّذي حدّدته السلطة التنفيذية يتمثّل في انسحاب الجيش الاسرائيليّ من طرف واحد، وإعادة إعمار جنوب لبنان. غير أنّ السؤال الجوهريّ الّذي تتجاهله السلطة اللبنانية عمدًا يتعلّق بالأسباب الّتي أفضت إلى دورات العنف المتكرّرة، وبانعكاساتها على الأمن القوميّ اللبنانيّ، وبأثرها المقابل في أمن إسرائيل. وليسَتْ حالة عدم المشروعيّة الفعلية الّتي تسود جنوب لبنان وشرقه بطارئة، بل تمتدّ جذورها إلى زمن بعيد، وتعكس أزمةً مزمنةً في الشرعية الوطنية، رافقت لبنان منذ نشأته. وهي أزمة داخلية تسبق النزاعات الخارجية، وتحدّد إطارها.
فكيف يمكن أن تُرهَن رقعة وطنية لسياسات قوة خارجية تقوّض بشكل جذريّ استقلالها وسيادتها؟ لا تملك الدولة اللبنانية إجابةً تتجاوز ما تطرحه سياسات القوة والإيديولوجيات الّتي اتخذتها مرجعيّات لها. وقد خضعت السياسة الخارجية والدفاعيّة في لبنان لإملاءات إيديولوجية، ولأشكال متعدّدة من الهيمنة الّتي تعاقبت في العقود السبعة الماضية. وشكّلت القوميّات العربية، والنشاط الفلسطينيّ، ومختلف التيّارات اليسارية، والأنظمة البعثيّة والخمينيّة، مصادر رئيسية لعدم الاستقرار البنيويّ الّذي طبع لبنان، ولدورات العنف المتتالية الّتي ميّزت تاريخه.
كيف يمكن المطالبة بانسحاب إسرائيل من طرف واحد، في حين يتعرّض هذا البلد المُجاور لهجمات تنطلق من الأراضي اللبنانية؟
في المقابل، تتنصّل الدولة اللبنانية من مسؤوليّاتها، لصالح سردية إيديولوجية تتعارض بصورة منهجية مع مقتضيات السيادة الوطنية. غير أنّ أي دولة لا يمكنها، تحت أي ظرف، أن تتخلّى عن سيادتها، أو تستبدلها باعتبارات إيديولوجية بديلة. مع ذلك، تبدو السلطة التنفيذية القائمة وكأنّها تستبطن سرديّة حزب الله في مقاربتها للمفاوضات. نحن أمام نموذج واضح لاتصال متناقض، يصعب معه تمييز خطاب دولة متماسك المعالم.
لا يمكن أن تتخلّى الدولة اللبنانية، بأيّ حالٍ من الأحوال، عن سيادتها إلّا إذا اختارت عمليًّا إلغاء ذاتها لصالح سرديّات إيديولوجية، أفرغتها مرارًا من مضمونها خلال العقود السبعة الماضية. وعليها أن تتحمّل مسؤوليّاتها الأمنية تجاه الدول المجاورة، ما لم تكن راغبة في تعرّضها للخطر، أو المساس باستقرارها. فكيف يمكن المطالبة بانسحاب الدولة الاسرائيلية، في حين لا يُتيح حزب الله للدولة اللبنانية ممارسة سيادتها بصورة كاملة وفعّالة؟ تُعرَّف الدولة بحدودها، وبثبات عناصر سيادتها، وهي عناصر غير قابلة للتجزئة أو التنازل.
لا يستقيم طرح الانسحاب من طرف واحد من منظور الدبلوماسية، ويُشكّل دفعًا جوهريًّا بعدم القبول، إذ لا يمكن بناء مفاوضات على أرضيّةٍ تفتقر إلى الحدّ الأدنى من الاتّساق القانونيّ والمفاهيميّ. وعلى الدولة ذات السيادة أن تُعبّر عن سيادتها بوضوح، من دون مواربة أو تنازل. ولا يمكن أن تدرج الدولة اللبنانية حزب الله في بنيتها التفاوضية، حتى بصورة غير مباشرة، إذ يبقى الفصل بين منطق الدولة ومنطق التنظيمات مبدأً تأسيسيًّا. غير أنّ الواقع العمليّ يكشف عن استمرار هذا الالتباس البنيويّ في المقاربة الرسمية، بما ينعكس على وضوح الموقف التفاوضيّ، ويقوّض منسوب المصداقيّة السيادية.
لا يمكن أن تُحقّق المفاوضات تقدمًا في غياب وضوحٍ مفاهيميٍّ، وتماسكٍ في السياسات. ويعيدنا حصر جدول الأعمال في مقاربات تكتيكية، مع إبقاء مسألة السلام معلّقة، إلى دوائر النزاع المزمن، وعدم الاستقرار المستدام، واستمرار منطق العداء البنيويّ مع إسرائيل. فالمسألة لا تقتصر على نزع سلاح حزب الله كشرط مسبق، بل تتجاوز ذلك إلى ضرورة إدراج العمليّة ضمن تصوّر شامل للسلام، وإلى تفكيك البنى الذهنية والسياسية الّتي كرّست منطق الصراع عبر الزمن. تُضاف إلى ذلك التحوّلات الجيوستراتيجيّة النّاتجة عن المتغيّرات الإقليمية. وتفرض موازين القوى حدودًا جديدةً للتفاوض، لا يمكن لأي مقاربة دبلوماسية تجاوزها، أو القفز عليها. فإسرائيل تبدو بعيدةً عن إعادة إحياء الوضع القائم السابق، كما أنّها لا تُبدي استعدادًا للقبول بسيناريوهات مُجتزأة أو مُلتبسة.
تُدخل الحكومة اللبنانية لبنان، برفضها نهج السلام والتطبيع، في مسارٍ من التفكّك غير القابل للعكس. أمّا الطروحات من قبيل “سيكون لبنان آخر من يوقّع معاهدة سلام مع إسرائيل”، كما تروّج لها بعض التيّارات السياسيّة المتأثرة بالمملكة العربية السعودية، فتنتمي إلى رؤيةٍ متقادمةٍ وغير صالحةٍ وظيفيًّا. فالتغيّر الجيوستراتيجي ليس تفصيلًا هامشيًّا، بل هو تحوّل بنيويّ يفرض إعادة التفكير في المعادلات الجيوسياسية، وإعادة التموضع على أساسه. في المقابل، يُعدّ الاعتراف المتبادل والتبادليّة الأخلاقيّة من المسلّمات الأنثروبولوجية الّتي تتأسّس عليها مقاربة مسار السلام. ويُواجه المفاوضون اللبنانيون تحدّيات معرفيّة، وأخلاقيّة، وسياسيّة مترابطة ترابطًا وثيقًا. وفي غياب وعي جديد، تبقى المفاوضات بعيدةً عن إتاحة فرص حقيقية للسلام المنشود، في سياقٍ بالغ التعقيد كسياقنا.




