موسكو وبكين: تشريح تحالفٍ خالٍ من الحب!

ترجمة هنا لبنان 20 أيار, 2026

كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:

توجّه فلاديمير بوتين الثلاثاء إلى بكين للقاء شي جينبينغ. وفي رسالةٍ مصوّرةٍ بُثّت عشية الزيارة، أكد الرئيس الروسيّ أنّ العلاقات بين موسكو وبكين بلغت “مستوى غير مسبوق” من التفاهم المتبادل، وأنّ البلدَيْن مستعدّان “لدعم بعضهما البعض في القضايا الّتي تمسّ مصالح كلَيْهما الأساسية، لا سيّما حماية السيادة، والوحدة الوطنية”.

ولفهم كيف توصّلت قوّتان بهذا الثقل التاريخيّ إلى تشكيل جبهةٍ مشتركةٍ، لا بدّ من العودة إلى أكثر من سبعة عقود من علاقاتٍ متقلّبةٍ، تداخلت فيها تحالفات معلنة، وقطيعات عميقة، وتقاربات محسوبة. ويأتي ذلك ضمن ديناميّة كان مستشار الأمن القوميّ الأميركيّ السابق زبيغنيو بريجنسكي قد استشرفها قبل أكثر من ثلاثة عقود، حين رأى أنّ السيناريو الأخطر على الولايات المتّحدة هو “تحالف كبير بين الصين، وروسيا، وربّما إيران، تحالف مناهض للهيمنة، لا توحّده الإيديولوجيا بل مظالم متكاملة”.

سنوات التحالف: 1949-1956

أطلق إعلان قيام جمهورية الصين الشعبية في تشرين الأول 1949 مرحلةً من التعاون الوثيق مع الاتحاد السّوفياتي. وفي خلال خمسينيّات القرن الماضي، نسج البلدان علاقات متينة استندت إلى “معاهدة الصداقة والتحالف والمساعدة المتبادلة الصينية – السوفياتية”، الّتي أرست تحالفًا أمنيًّا، وفتحت الباب أمام تعاون اقتصاديّ، وعسكريّ، وتكنولوجيّ واسع.

أرسل ستالين مهندسين ومعدّات لدعم التصنيع السريع في الصين الماويّة. غير أنّ هذه الأخوية المعلنة اتّسمت بالهشاشة؛ فالتقدير الّذي كنّه ماو لستالين لم يصمد بعد رحيل “بطريرك” الشيوعية. ومع وفاة ستالين في آذار 1953، دخلت العلاقات الصينية – السوفياتية مرحلةً من الغموض، قبل أن تبدأ بالتصدّع التدريجيّ ابتداءً من عام 1958.

القطيعة وتداعياتها: 1960-1989

أدّت عملية نزع الستالينيّة الّتي أطلقها خروتشوف، واعتبرها ماو خيانةً إيديولوجيّةً، إلى تسريع القطيعة. ففي خلال ستينيّات القرن الماضي، تحوّلت الخلافات إلى سجالاتٍ حادّةٍ، وتبادل الطرفان الاتهامات بخيانة الماركسيّة – اللّينينيّة، والانحراف عن مسار الثورة. وسرعان ما تجاوز الانقسام البُعد العقائديّ ليأخذ طابعًا جيوسياسيًّا. وبلغ التوتّر ذروته في اشتباكاتٍ حدوديةٍ داميةٍ عام 1969، ما دفع بكين إلى تقارب مفاجئ مع واشنطن.

في عام 1971، قام مستشار الأمن القوميّ الأميركيّ هنري كيسنجر بزيارةٍ سريةٍ إلى الصين، مهّدَت لزيارة ريتشارد نيكسون التاريخية إلى بكين في الثاني والعشرين من شباط 1972. وهكذا أصبح العدو المشترك، الاتحاد السوفياتي، ركيزة تقارب صينيّ – أميركيّ لم يكن متوقعًا قبل عقدٍ واحدٍ من الزمن فحسب.

وجاء هذا التقارب في سياق داخليّ متوتّر، قبل أن تُطوى مرحلة القطيعة الصينية – السوفياتية تدريجيًّا في العقود اللاحقة، على الرغم من كلفتها السياسية والإنسانية الثقيلة.

تحوّل التسعينيّات وترسيخ الشراكة

أحدث انهيار الاتحاد السوفياتيّ عام 1991 فراغًا استراتيجيًّا سارع الطرفان إلى ملئه عبر تقاربٍ ثنائيٍّ، إذ سعت روسيا، الخارجة من عقدٍ مضطربٍ اقتصاديًّا، ومحدودة النّفوذ دبلوماسيًّا، إلى استعادة موقعها على الساحة الدولية. فيما احتاجت الصين، الصاعدة اقتصاديًّا والمعزولة سياسيًّا بعد أحداث تيانانمن، إلى شريك ثابت في داخل مجلس الأمن. وهكذا بدأ التقارب يتبلور تدريجيًّا في خلال التسعينيّات: إذ جرى تسوية معظم الملفّات الحدوديّة العالقة، وتوسيع التبادل التجاريّ، وتطوير خطاب مشترك حول تعدّدية الأقطاب وعدم التدخّل في الشؤون الداخلية، قبل أن يُتوَّج هذا المسار بتوقيع “معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون” عام 2001، وهي أول مبادرة دبلوماسية كبرى لفلاديمير بوتين بعد تولّيه الرئاسة.

وقد أرست هذه المعاهدة أسس شراكة مؤسسية منظمة. ومنذ ذلك الحين، يحرص كل طرف على إبراز جوانب مختلفة من العلاقة، تفاديًا لأي إيحاءات غير مرغوبة، لا سيّما ما يرتبط باحتمال اختلال التوازن، أو هيمنة أحد الطرفيْن.

2014: التحوّل الأوكراني

شكّل ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014 نقطة انعطاف حاسمة. فبعد فرض عقوبات غربية عليها، اتجهت موسكو بصورة أوضح نحو بكين. وقد دفع السياق الجيوسياسيّ الّذي أعقب الأزمة الأوكرانية روسيا إلى تعميق تقاربها مع الصين في مجالات مُتعدّدة.

ووفق مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، تبلورت رؤية الشراكة الصينية – الروسية حول تصوّر مشترك للولايات المتّحدة باعتبارها التهديد الاستراتيجيّ الأول. ويرى الطرفان في الدعم الأميركيّ للحركات الديمقراطية محاولةً لزعزعة استقرار أنظمتهما.

عهد شي وبوتين: شبه تحالف مع اختلالات متزايدة

بلغت العلاقة ذروتها الرمزية في الرابع من شباط 2022 خلال الألعاب الأولمبية في بكين، حين وقّع شي جينبينغ وفلاديمير بوتين، إعلانًا مشتركًا أكد أنّ الصداقة بين البلديْن “بلا حدود”، وأن “لا مجالات محظورة” في تعاونهما.

لكنّ الحرب في أوكرانيا الّتي اندلعت بعد ثلاثة أسابيع كشفت طبيعة هذه العلاقة: فهي أقرب إلى اعتماد متزايد لموسكو على بكين منها إلى تحالف بين طرفَيْن متكافئَيْن. ويُبرز تقرير صادر عن مجلس العلاقات الخارجية (CFR) عام 2025 هذا الاختلال بوضوح. فبين عامَيْ 2022 و2024، ارتفع التبادل التجاريّ بين البلديْن من 146.9 إلى 240.1 مليار دولار، فيما باتت الصين تؤمّن نحو 90% من أشباه الموصلات الّتي تحتاجها روسيا لإنتاج الدبّابات، والصواريخ، والطائرات.

على المستوى العسكريّ، تسارعت وتيرة التعاون بشكلٍ غير مسبوق: بين كانون الثاني 2022 وآب 2024، نفّذ الجيشان 15 مناورةً مشتركةً، مقابل 9 بين 2012 و2014. وفي تمّوز 2024، وللمرّة الأولى، اخترقت قاذفتان صينيّتان وأخريان روسيّتان منطقة التعريف الدفاعيّ الجويّ لألاسكا، في خطوةٍ استفزازيةٍ موجّهةٍ إلى واشنطن. أمّا في مجلس الأمن الدوليّ، فيكاد التنسيق بينهما يكون منهجيًّا: فمنذ عام 2007، استخدم البلدان حقّ النقض بشكل مشترك 16 مرة، جميعها ضد قرارات مدعومة من الولايات المتحدة أو حلفائها.

لا يلقى هذا الاختلال المتزايد لصالح بكين قبولًا في روسيا. فقد أقرّ عالم الصينيات الروسيّ فاسيلي كاشين، كما نقل عنه مجلس العلاقات الخارجية (CFR)، بأنّ “الصين ستتمكّن من استخدام أدوات الدبلوماسية الاقتصادية للتأثير في مواقفنا السياسية […]، وستكون قادرة على فرض الأسعار، وسيتعيّن علينا التعايش مع ذلك”.

وفي خلال زيارته إلى موسكو في آذار 2023، لخّص شي جينبينغ طموح الزعيمَيْن المشترك بقوله: “في هذه اللحظة، ثمّة تغيّرات من النوع الّذي لم نشهده منذ 100 عام، ونحن مَن نقودها معًا”. وهي عبارة تبدو أقرب إلى برنامج سياسيّ، وتكشف بوضوح دلالة زيارة بوتين إلى بكين.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us