لبنان تحت الضغط: عندما ينتج البلد حالات ارتفاع ضغط الدم

كتب مكرم حداد لـ”Ici Beyrouth“:
لا يُقاس ضغط الدم دائمًا بجهاز القياس في لبنان. بل يُقرأ في الليالي المتقطّعة، والفواتير التي لا تُحتمل، والإنذارات الأمنية، وطنين المولّدات، وأبواق السيارات، وفي القهوة المُبتلعة للصمود والتحمّل، والسجائر المُشتعلة لتهدئة الأعصاب. ثم، في يومٍ ما، يظهر الرقم: 14/9، 16/10، وأحيانًا أكثر.
بعد أن اعتُبر ارتفاع ضغط الدم مرضًا مرتبطًا بالتقدّم في السن لفترةٍ طويلةٍ، أو بالعوامل الوراثية، أو بنمط حياة غير صحيّ، يُشكّل أيضًا مرضًا سياقيًّا. وفي لبنان، تحوّل هذا السياق إلى مصنعٍ يُنتج الضغط.
في السابع عشر من شهر أيار، يُذكّر اليوم العالميّ لارتفاع ضغط الدم، سنويًّا، بحجم وباءٍ عالميٍّ غالبًا ما يُستهان به. وتركّز نسخة عام 2026، تحت شعار “Controlling Hypertension Together” أو التحكّم سويًّا بارتفاع ضغط الدم، على فكرةٍ بسيطةٍ: قياس الضغط بانتظام، وتحسين كشف المرض، وضبطه بشكل أفضل. لأنّ ارتفاع الضغط يقتل أكثر عندما يصمت.
القاتل الصامت في بلد صاخب
ارتفاع ضغط الدم هو ببساطة ارتفاعٌ مُزمن في ضغط الدم على مستوى الشرايين، ويُعتَبر مرضًا قائمًا عندما تبلغ القراءات 140/90 ملم زئبق، أو تتجاوزها في قياسات متكرّرة ودقيقة. يُمثّل الرقم الأول ضغط الدم عند انقباض القلب، والثاني عند ارتخائه.
ولكن، تتحدّد خلف هذيْن الرقميْن مصير الدماغ، والقلب، والكليتين، والعينين، والشرايين. فارتفاع الضغط غير المُشخّص، أو غير المضبوط، يزيد من خطر السكتة الدماغية، والاحتشاء القلبيّ، والفشل القلبيّ، والتضرر الكلويّ، والمضاعفات الوعائية الخطيرة. ويتمثّل الخطر الأكبر في أنّه قد يتطوّر على فترة طويلة من دون أي عوارض واضحة: لا ألم، ولا إشارة جليّة، ولا دوار أو صداع، وأحيانًا لا شيء إطلاقًا إلى حين وقوع الكارثة.
المفارقة قاسية: في بلد صاخب إلى هذا الحد، يتقدّم ارتفاع الضغط بصمت. لا يصرخ… بل يترسّخ.
على المستوى العالميّ، تبدو الأرقام مقلقة. فبحسب “منظمة الصحة العالمية”، تعايش نحو 1.4 مليار بالغ بين 30 و79 عامًا مع ارتفاع ضغط الدم في عام 2024. ولم يعلم نحو 600 مليون منهم بإصابتهم به، في حين لم يتمتّع أكثر من خُمس المرضى بضغطٍ مُسيطرٍ عليه. مرض قياسه بسيط، وقابل للعلاج في أغلب الأحيان، لكنّه يبقى غير مُشخّص، وغير مضبوط بالشكل الكافي.
أمّا في لبنان، فالصورة لا تقلّ خطورةً. فقد أظهرت دراسة وطنية أجرتها كلية الطب في جامعة القديس يوسف، وخدمة أمراض القلب في مستشفى أوتيل ديو دو فرانس، على 1.697 بالغًا لبنانيًّا تخطّوا سن 21 عامًا، موزّعين على مختلف المناطق، وجود ارتفاع ضغط الدم لدى 36.9% من العينة. والأخطر أنّ 53% من المُصابين كانوا على علم بحالتهم فحسب، بينما لم تتجاوز نسبة مَن كان ضغطهم مضبوطًا 27%.
بمعنى آخر، يعيش نصف البلد مع قنبلة صامتة في الشرايين من دون معرفة ذلك. يُراقب لبنان الدولار، وتعرفة المولّد، وأخبار الجبهة، والفواتير، والمستحقّات المدرسية، ورسائل التحذير. غير أنّه يُراقب بدرجةٍ أقلّ ذلك الرقم الشخصيّ الذي قد يحدّد مصير جلطة دماغية.
بلدٌ في حالة تأهّب دائم
لا يعود ارتفاع ضغط الدم إلى سبب واحد. فالعمر، والعوامل الوراثية، والوزن الزائد، والسكريّ، وأمراض الكلى، وقلّة الحركة، والتدخين، والإفراط في تناول الكحول، والغذاء الغنيّ بالملح، والتوتّر المزمن، كلها عوامل مُتداخلة. ولكن في لبنان، لا تتراكم هذه العوامل وحدها، بل تتداخل، وتتضاعف في تفاصيل حياة يومية تُسبّب هي الأخرى الأمراض.
ليس التوتّر هنا مجرد كلمة، بل مناخ قائم، وحالة إنذار دائمة، وأسلوب حياة: حرب، وعدم استقرار، وتهديدات أمنية، وأزيز مُسيّرات، وليالٍ متقطّعة، وخوف من الغد، وقلق ماليّ، وحَرّ، وازدحام سير، وتلوّث، ومولّدات، وعدم يقين مهنيّ… حتى يُصبح الجسد في وضع يقظة مستمرة.
وحين يبقى الجسم في حالة تأهّب لفترة طويلة، يدفع الثمن. يتجزّأ النوم، ويبقى الجهاز العصبيّ في حالة تشغيل دائم، ويعمل القلب بسرعة أكبر وبجهد أعلى. ويبدأ الإنسان بالتكيّف على طريقته: قهوة للصمود والتحمّل، وسيجارة لتهدئة الأعصاب، ووجبات سريعة، وأطعمة غنيّة بالملح، وعادات غذائية مُرتجلة، وخمول تفرضه الضغوط. وهكذا، لا يعود ارتفاع ضغط الدم مجرّد مرض فرديّ، بل يُصبح تقريبًا التعبير البيولوجيّ عن بلدٍ لا يترك للأجساد فرصة للهدوء.
ويستقبل الأطبّاء أيضًا مرضى أصغر سنًا، في الثلاثينات أو الأربعينات، فيتفاجأون أحيانًا بارتفاع ضغط الدم لديهم. فهم لا يشعرون بأنّهم “مرضى” بالمعنى التقليديّ: يعملون، ويقودون، ويشربون القهوة، ويدخّنون، وينامون بشكل سيئ، ويعيشون بوتيرة سريعة، ويؤجّلون الاستشارة الطبية. إلى أن يأتي يوم يكشف فيه عارض مفاجئ، أو خفقان، أو فحص روتينيّ، أو قياس عابر في الصيدلية، أنّ الجسد كان يتحمّل بصمت منذ وقت طويل.
الملح، الزاوية اللبنانية العمياء
إلى هذا المناخ المشحون بالتوتّر، يُضاف عامل أساسيّ آخر: الملح. توصي منظمة الصحة العالمية بألّا يتجاوز استهلاك البالغين 5 غرامات يوميًّا، لكنّ العادات الغذائية في لبنان ترفع هذا السقف في الكثير من الأحيان. ولا يأتي الخطر من ملح المائدة فحسب، بل من “الملح الخفيّ” في الغذاء اليوميّ: الخبز، والأجبان، والمناقيش، والمعلّبات، واللحوم المصنّعة، والمخلّلات، والوجبات الخفيفة، والأطعمة الجاهزة.
في لبنان، لا يشكّل الملح تفصيلًا غذائيًّا، بل جزءًا من الثقافة، والاقتصاد، والسهولة. فهو يحفظ الطعام، ويُعزّز النكهة، ويمنح الإحساس بالشبع، ويُرافق الفطور السريع، والغداء على عجل، والعشاء المُرتجل. وفي زمن الأزمة، حين يصبح الأكل أسرع، وأرخص، وأقلّ توازنًا، يغدو خفض الصوديوم أكثر صعوبة.
في النهاية، لا يُملَّح الطعام فحسب، بل تُملَّح أحيانًا حياة مثقلة أصلًا بالضغط.
حين يصبح العلاج تحت الضغط
على الرغم من ذلك، لارتفاع ضغط الدم ميزة أساسية: يمكن كشفه بسهولة، وعلاجه بفعّالية. الترسانة العلاجية واسعة: مدرّات الثيازيد، ومثبطات الإنزيم المحوِّل للأنجيوتنسين، وحاصرات مستقبلات الأنجيوتنسين II، وحاصرات قنوات الكالسيوم، وحاصرات بيتا في بعض الحالات، بالإضافة إلى التركيبات الدوائية الثّابتة عند الحاجة. المُشكلة لا تكمن في غياب العلاج، بل في التشخيص، والمتابعة، والالتزام، وضبط الجرعات، واستمرارية الرعاية.
وتؤكد التوصيات الدولية على مقاربة علاجية منظّمة، لا تبدأ دائمًا بوصفة دوائية، بل ترتكز على تدابير نمط الحياة: تقليل الملح، وخسارة الوزن عند الحاجة، وممارسة نشاط بدنيّ منتظم، والإقلاع عن التدخين، وتحسين النوم. وقد يبدأ العلاج بدواء واحد، أو بمزيج من الأدوية بحسب مستوى الضغط، والخطر القلبيّ الوعائيّ، والعمر، والأمراض المرافقة. هذه التركيبات ليست خطأً بحدّ ذاتها، بل قد تكون ضروريةً في بعض الحالات، خصوصًا عند ارتفاع الضغط الشديد، أو ارتفاع الخطورة القلبية الوعائية، إنّما يتعيّن أن تستند إلى قرار طبيّ مدروس، لا إلى رغبة في التدخل السريع.
في لبنان، يلفت بعض الأطباء إلى انزياحٍ أكثر هدوءًا: وصفات دوائية تُعطى بسرعة أحيانًا، وبقوة أحيانًا أخرى، ومن دون إعادة تقييم كافية. “يُراد أحيانًا أن يُغادر المريض العيادة وهو يشعر بتحسّن فوريّ”، يقول طبيب قلب في مستشفى جامعيّ كبير. ووفقًا له، يُطرح على بعض المرضى علاج مزدوج، أو ثلاثيّ منذ البداية، بينما قد تكفي مقاربة تدريجية مبنية على قياسات متكرّرة، ومتابعة لصيقة في حالات متعددة.
وتتفاقم الإشكالية مع تشتّت الرعاية بين اختصاصيّين، وأطبّاء عامّين، وتجديد وصفات، وتطبّب ذاتيّ، ونصائح من الصيدليات أو المحيط. فيتحوّل ارتفاع ضغط الدم إلى مساحةٍ يتداخل فيها الجميع من دون مرجعيّة واحدة، أو متابعة متّسقة. ويتفاقم ذلك بسبب ضغط سوق دوائية تنافسية، تُروَّج فيها التركيبات الجاهزة والعلاجات الحديثة بقوة.
يبقى الخطر مزدوجًا: علاج ناقص لمَن يحتاجه، أو علاج مبالغ فيه وسريع من دون تأكيد أو متابعة كافية. وفي الحالتَيْن، يضيع المريض بين إيقاف مفاجئ للدواء، أو تقليل الجرعات، أو تعديل العلاج ذاتيًّا حين “يعود الضغط طبيعيًّا”. لكنّ ارتفاع ضغط الدم لا يُدار بالانطباع، بل بالقياس، والتأكيد، والمتابعة المستمرة.
مواضيع ذات صلة :
“الثوم”.. مفتاح غذائي لمواجهة الضغط | 550 مليون دولار شهريًّا… احتياطيّ مصرف لبنان تحت الضغط بين تراجع التدفّقات وتزايد الالتزامات! | تجربة سريرية تبشر بعلاج دوائي فعال لانقطاع النفس النومي |




