بين سطور رعد: حين تُتّهم الدولة بممارسة سيادتها!

خطاب محمد رعد ليس دفاعاً عن المقاومة بقدر ما هو دفاع عن بقاء “الحزب” فوق الدولة. فالخطر الوجودي الذي يتهدّد لبنان اليوم لم يأتِ من فراغ، بل بدأ حين أصبح الصراع الحقيقي ليس على كيفية التفاوض مع الخارج، بل على بقاء الدولة نفسها في مواجهة من يريدها مجرد غطاء شكلي لقرارات تُتّخذ خارج حدودها
كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:
يطل النائب محمد رعد عبر صحيفة الممانعة بمقال يحمل في طياته “بياناً اتهامياً” مباشراً بحق الدولة اللبنانية، مصوراً إياها في موقف المتجاوز للتفويض، والمتبني لسردية الاحتلال، والساعي خلف سراب الاستسلام. وفي قراءة هادئة لمضامين هذا الخطاب، نجد أنّ الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها الدولة في نظر حزب الله هي ببساطة محاولتها استعادة دورها الطبيعي وممارسة سيادتها المفترضة ككيان مؤسساتي مسؤول.
إنّ المفارقة الصارخة تكمن في أنّ هذا الهجوم العنيف على “شرعية التحرك الرسمي” يأتي من جهة تحتفظ بسلاحها خارج الأطر الدستورية، وتعلن جهاراً انضواءها تحت لواء محور إقليمي تقوده إيران، وتنفرد بقرار الحرب والسلم بعيداً عن طاولة المؤسسات. ومع ذلك، يجد الحزب نفسه اليوم في موقع من يحدد لرئيس الجمهورية جوزاف عون وللحكومة اللبنانية تخوم الشرعية وهوامش التفاوض، متجاهلاً أنّ المادة 52 من الدستور اللبناني تمنح رئيس البلاد حقاً أصيلاً وصريحاً في إدارة المفاوضات، دون حاجة لـ “شهادة حسن سلوك” من أي كتلة نيابية، أو “إذن عبور” سياسي من طهران.
وحين يتّهم رعد الدولة بتبني سردية إسرائيل، فإنه يقفز فوق الحقيقة الماثلة أمام أعين اللبنانيين؛ فالدولة لا تتبنى إلا سردية مواطنيها الذين اكتشفوا، عبر تجارب مريرة، أنّ السلاح الذي قيل إنه لحماية الداخل قد استُخدم في ساحات إقليمية بعيدة، قبل أن يُزجّ بلبنان في حرب “إسناد” لم تكن بقرار وطني، ولم تراعِ الكلفة الباهظة التي يدفعها اللبنانيون من أمنهم واقتصادهم. إنّ سعي الدولة لحصرية السلاح ليس رضوخاً لمطالب خارجية، بل هو إعلان عن الرغبة في استعادة الحق الطبيعي لأي دولة في أن تكون هي وحدها صاحبة القرار في مصير شعبها.
وفي قاموس الحزب، تظهر المفاوضات الرامية لوقف الحرب وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الشامل كنوع من “الاستسلام”، بينما تكمن الحقيقة في أنّ الاستسلام الفعلي هو بقاء لبنان رهينة للتجاذبات الإيرانية الأميركية، وتحويل جنوبه إلى “صندوق بريد” لخدمة أجندات لا ناقة للبنانيين فيها ولا جمل. فالسيادة لا تعيش في كنف حزب واحد يقرر مصير الجماعة منفرداً، ولا تتحقق حين تصبح الحدود مجرد تفصيل في استراتيجية إقليمية، بل تتبلور فقط عندما تتوحد البندقية والقرار تحت مظلة الجيش والمؤسسات.
ختاماً، لا يبدو خطاب محمد رعد دفاعاً عن المقاومة بقدر ما هو دفاع عن بقاء “الحزب” فوق الدولة. إنّ الخطر الوجودي الذي يتهدد لبنان اليوم لم يأتِ من فراغ، بل بدأ حين تحول الوطن من كيان نهائي إلى منصة متقدمة لمشاريع كبرى، وحين أصبح الصراع الحقيقي ليس على كيفية التفاوض مع الخارج، بل على بقاء الدولة نفسها في مواجهة من يريدها مجرد غطاء شكلي لقرارات تُتخذ خارج حدودها.
مواضيع مماثلة للكاتب:
لماذا ترتعد طهران من فكرة “ما بعد الحرب”؟! | لبنان في بازار واشنطن وطهران: صراع السيادة على طاولة المحاور | لماذا لن يجد الحزب طريقاً إلى “7 أيار” جديد؟ |




