ما وراء الفجوة المالية: قصّة انهيار نظام كامل!

الحلّ لا يكون إلّا عبر إرساء قدر من الاستقرار السياسي يفتح الباب أمام ورشة إصلاح شاملة على المستويات الاقتصادية والمالية والنّقدية، بما يسمح بإعادة بناء الأسُس التي يقوم عليها الاقتصاد اللبناني. أمّا المعالجات المؤقتة، فهي لا تعدو كونها إجراءات لتمرير الوقت، من دون القدرة على إنتاج حلول فعليّة لأزمة بهذا الحجم والتعقيد.
كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:
الانهيار المالي في لبنان لم يكن أزمة مصارف أو “فجوةً ماليةً” بالمعنى التّقني الضيّق، بل هو، وفق مقاربة اقتصادية – سياسية واسعة، “أزمة نظامية” أصابت بُنية الدولة نفسها من جذورها. فالمُشكلة لم تقتصر على القطاع المصرفي أو السياسات النّقدية، بل امتدّت إلى طريقة إدارة المال العام، وآليّات اتخاذ القرار، وهيكليّة المؤسّسات، والسياسات المالية التي تراكمت على مدى سنوات طويلة.
في هذا الإطار، لم يكن ما جرى نتيجة عاملٍ واحدٍ أو حدثٍ مفصليٍّ، بل حصيلة مسارٍ ممتدٍّ من سوء إدارة الموارد، وتضخّم الإنفاق العام، وتراجع الإصلاحات البنيوية، وغياب الحوْكمة الرشيدة. ومع الوقت، تحوّل هذا المسار إلى خللٍ عميقٍ في وظيفة الدولة الاقتصادية، ما أدّى في النهاية إلى انهيارٍ شاملٍ طال مختلف القطاعات، من الماليّة إلى النقديّة وصولًا إلى الاقتصاد الحقيقي.
ومن هذا المنطلق، يرى هذا الطرح أنّ ما يُعرف بـ”الفجوة المالية” ليس سوى توصيف تقني ضيّق لواقعٍ أكثر تعقيدًا، وقد استُخدم في الخطاب الرّسمي كإطار مُحاسبي يُخفّف من حجم المسؤولية ويُجزِّئ الأزمة بدل مقاربتها كمنظومةٍ متكاملةٍ من الاختلالات. وبالتّالي، فإنّ جوهر الأزمة لا يكمن فقط في الأرقام أو الحسابات، بل في بنية النظام الاقتصادي – الإداري نفسه، الذي أوصل البلاد إلى هذا الانهيار غير المسبوق.
من هنا، يؤكد البروفيسور مارون خاطر، الكاتب والباحث في الشؤون المالية والاقتصادية، أنّ أزمة لبنان هي بطبيعتها أزمة نظامية، لأنّها لا ترتبط بخطأٍ ظرفيٍّ أو بقطاعٍ محدّدٍ، بل بخلل بنيوي عميق طال النّموذج الاقتصادي اللبناني برمّته، من الماليّة العامة إلى القطاع المصرفي وصولًا إلى آليّات الحوكمة وإدارة الدولة.
ويشير إلى أنّ الاقتصاد اللبناني اعتمد على مدى سنوات على الاستدانة واستقطاب الودائع وتمويل العجز بدل تعزيز الاستثمار والإنتاج، ومع غياب الإصلاحات والرقابة واستمرار التدخلات النّقدية، انهار هذا النموذج بشكل كامل، لتنتقل الأزمة من أزمة سيولة مالية إلى أزمة اقتصادية واجتماعية شاملة.
وفي هذا السياق، ارتفعت نفقات الدولة من 6.8 مليارات دولار عام 2006 إلى نحو 18 مليارًا عام 2018، في ظلّ غياب فعلي للموازنات المنتظمة وضعف الرقابة المالية على الإنفاق العام. هذا التوسّع في النّفقات لم يترافق مع نموّ مماثل في الإنتاجيّة أو الإيرادات المستدامة، ما عمّق الاختلال في المالية العامّة وزاد من الاعتماد على الاستدانة والتمويل الخارجي.
في موازاة ذلك، ارتفع التهرّب الضريبي من 1.2 مليار دولار عام 2011 إلى نحو 1.6 مليار دولار عام 2019، ما يعكس تراجع القدرة على تحصيل الإيرادات العامة وتآكل قاعدة الدولة الضريبية.
كما شهد القطاع العام توسّعًا ملحوظًا في التوظيف، إذ جرى تعيين نحو 31 ألف موظف ما بين عامَيْ 2014 و2018، بحسب تقارير ديوان المحاسبة، في ظلّ غياب سياسة توظيفٍ مبنيّةٍ على الحاجة الفعليّة. ويُضاف إلى ذلك ما أشار إليه تقرير للبنك الدولي عام 2018 حول وجود فائض يقارب 15 ألف موظف في قطاع التعليم الرّسمي وحده، ما يعكس حجم الترهّل الإداري واستنزاف الموارد العامة عبر التوظيف غير المُنتج، والذي ساهم بدوره في تضخيم كلفة الدولة وتعميق العجز المالي.
بحسب خاطر، تتداخل المسؤوليّات في هذه الأزمة بين السياسات العامة، والإدارة السياسيّة، والخيارات الماليّة والنقديّة، إلى جانب غياب الإصلاح والمحاسبة، ما يجعلها أزمةً تراكميّةً بامتياز. ومن هذا المنطلق، لا يمكن التعامل معها عبر حلولٍ ترقيعيّةٍ أو جزئيّةٍ، إذ إنّ معالجة هذا النوع من الاختلالات البنيوية تتطلّب مسارًا مختلفًا بالكامل.
فالحلّ لا يكون إلّا عبر إرساء قدر من الاستقرار السياسي يفتح الباب أمام ورشة إصلاح شاملة على المستويات الاقتصادية والمالية والنّقدية، بما يسمح بإعادة بناء الأسُس التي يقوم عليها الاقتصاد اللبناني. أمّا المعالجات المؤقتة، فهي لا تعدو كونها إجراءات لتمرير الوقت، من دون القدرة على إنتاج حلول فعلية لأزمة بهذا الحجم والتعقيد.
في الخلاصة، وللتذكير، برزت “الفرص الضائعة” في الاقتصاد اللبناني ما بين عامَيْ 2013 و2021، في ظلّ استقالات حكومية متكرّرة، وشغور رئاسي، وتعطيل مستمرّ في تشكيل الحكومات، ما أدّى إلى شللٍ طويلٍ في اتخاذ القرار الاقتصادي والمالي. هذا التعطيل لم يكن تفصيلًا، بل جزءًا من مسارٍ أعمق يعكس، بحسب هذه المقاربة، عمق الأزمة “النظاميّة” في لبنان.
وفي هذا السياق، يُشار إلى أنّ قانون النقد والتسليف يُحمّل الخزينة العامّة مسؤولية تغطية خسائر مصرف لبنان، فيما تُعدّ توظيفات المصارف لدى المصرف المركزي ديونًا قابلةً للردّ، ما يجعل مُعالجة الأزمة مسؤوليةً وطنيةً مشتركة.
مواضيع مماثلة للكاتب:
صندوق النقد يفرض إملاءات… فهل يحمي النواب سيادة القرار اللبناني؟ | تفعيل التعاون اللبناني- السوري: فرص جديدة في الطاقة والتجارة والاستثمار | ضرائب جديدة تطال كل شيء… وكأنها تمهيد لفاتورة إعادة الإعمار |




