صندوق النقد يفرض إملاءات… فهل يحمي النواب سيادة القرار اللبناني؟

لا يؤيّد صندوق النقد منح المصارف حقّ وقف إجراءات التصفية عبر اللجوء إلى القضاء، في حين شدّد المجلس الدستوري على ضرورة الحفاظ على حقّ التقاضي باعتباره حقًّا مكفولًا للجميع أمام القانون، ولا يمكن استثناء المصارف منه.
كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:
عاد قانون إصلاح المصارف مُجدّدًا إلى طاولة لجنة المال والموازنة، في اجتماع حضره وزير المالية وحاكم مصرف لبنان، لمتابعة النقاش حول الصيغة النهائية للقانون قبل إحالته إلى الهيئة العامة. إلّا أنّ اللجنة لم تتمكّن من حسمه، على الرغم من المداولات التي جرت، وذلك بسبب استمرار الحاجة إلى المزيد من البحث للوصول إلى الصيغة النهائية، إضافةً إلى فقدان النصاب قبل انتهاء الجلسة. وعليه، أُرجئ استكمال النقاش إلى الثلاثاء المقبل، قبل أن يُحال القانون إلى مجلس النواب لمناقشته والتصويت عليه في حال تمّ التوصل إلى اتفاق على الصيغة النهائية.
مرّ قانون الانتظام المصرفي بمسارٍ طويلٍ ومليءٍ بالتجاذبات، بدأ منذ مرحلة إقراره في مجلس النواب ونشره في الجريدة الرسمية، وصولًا إلى الطعن به أمام المجلس الدستوري. وقد طلب المجلس تعديل عدد من النقاط التي اعتبرها غير دستورية، من بينها البند المتعلق بحرمان أي مصرف يصدر قرار بتصفيته عن الهيئة المصرفية العليا من حقّه في الاعتراض أمام القضاء، باعتبار أن ذلك يمسّ بمبدأ حق التقاضي.
وكان مصرف لبنان ووزارة المال قد تقدّما سابقًا بملاحظات وتعديلات، ولا سيما على المادتين (3) و(13)، انطلاقًا من اعتبارهما أنّ الصيغة الحالية قد تمسّ باستقلاليّة المصرف المركزي وتُعيد توزيع بعض الصلاحيات داخله. إلا أن صندوق النقد الدولي رفض هذه الملاحظات، متمسّكًا بمنح الهيئة المصرفية العليا صلاحيات أوسع ضمن إطار إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
وبالتالي، يدور الخلاف الأساسي اليوم حول مسألة الصلاحيّات: فصندوق النقد يدفع باتجاه توسيع دور الهيئة المصرفية العليا، في حين يتمسّك مصرف لبنان بالحفاظ على صلاحياته، معتبرًا أن الصيغة الحالية تحتاج إلى إعادة نظر لتوضيح المسؤوليّات ومنع تداخل الأدوار.
وبحسب النائب غسان حاصباني، عضو لجنة المال والموازنة، في حديث لـ”هنا لبنان”، فإنّ الخلاف الأساسي حول القانون يرتبط بتوزيع الصلاحيات، إذ يرى أنّ منح صلاحيات واسعة لأكثر من جهة قد يؤدّي إلى ضبابيّة في تحديد المسؤوليّات، وبالتالي إلى صعوبة تحديد الجهة التي تتحمّل المساءلة عند حصول أي خلل. ويعتبر حاصباني أن بعض البنود المقترحة قد تتعارض مع أحكام قانون النقد والتسليف، وتؤدّي إلى انتزاع جزء من صلاحيات مصرف لبنان، إضافةً إلى مخاوف من فتح الباب أمام تدخّلات سياسية في القرارات النقدية، ولا سيما من خلال آلية تعيين أعضاء الهيئة المصرفية العليا من قبل الحكومة، ما قد يمنح السلطة التنفيذية دورًا أكبر في قراراتٍ يفترض أن تبقى ضمن إطار الاستقلالية النقدية.
وعن حق المصارف في الاعتراض أمام القضاء، يبرز خلاف آخر بين صندوق النقد الدولي والمجلس الدستوري. فبحسب المعطيات، لا يؤيّد صندوق النقد منح المصارف حقّ وقف إجراءات التصفية عبر اللجوء إلى القضاء، في حين شدّد المجلس الدستوري على ضرورة الحفاظ على حقّ التقاضي باعتباره حقًّا مكفولًا للجميع أمام القانون، ولا يمكن استثناء المصارف منه.
وعليه، طُرحت صيغة تقضي بمنح المصرف الذي يصدر قرار بتصفيته حقّ الطعن أمام القضاء، لكن من دون أن يؤدّي هذا الطعن إلى تعليق تنفيذ قرار التصفية بانتظار صدور الحكم، أي أن تستمر عملية التصفية بالتوازي مع المسار القضائي.
إلّا أنّ هذا الطرح يواجه انتقادات واسعة، إذ يعتبر معارضوه أنّه يُفقد حقّ التقاضي مضمونه الفعلي، لأنّ المصرف الذي تبدأ إجراءات تصفيته قد يكون انتهى عمليًّا قبل صدور القرار القضائي النهائي. وبالتّالي، فإنّ السماح بالطعن من دون وقف تنفيذ قرار التصفية قد يتحوّل إلى إجراء شكلي، إذ قد يُصفّى المصرف نهائيًا حتى لو جاء الحكم القضائي لاحقًا لمصلحته وأبطل قرار التصفية.




