لبنان في المعادلة الإيرانية-الأميركية: فاعلٌ أم مُهمَّش أم رهينة؟

ترجمة هنا لبنان 26 أيار, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:

هل سيشكّل لبنان جزءًا من الاتفاق الجاري التحضير له بين الولايات المتحدة وإيران؟ وإن كان هذا السؤال من بين أسئلة كثيرة تشغل الأذهان، فالحذر مطلوب، على الأقل في المرحلة الراهنة.

أولًا، لأنّه ما من اتفاق نهائيّ أُقر حتى اللحظة. وثانيًا، لأنّه، واستنادًا إلى التصريحات الإسرائيلية السابقة، لا يبدو أنّ الملف اللبنانيّ يدخل ضمن نطاق الترتيبات الجاري التفاوض بشأنها بين واشنطن وطهران، أو سيدخل ضمنه. ويُشار في هذا السياق إلى أنّه، ومنذ شهر نيسان الماضي، وفي أعقاب دخول وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران حيّز التنفيذ، أكد رئيس الوزراء الاسرائيليّ بنيامين نتنياهو على أنّ الهدنة “لا تشمل لبنان”. وهو موقف تتقاطع معه واشنطن، الّتي شددت مجددًا على حق إسرائيل في حماية نفسها من أي تهديد.

وعليه، وفي ظل غياب اتفاق نهائيّ، ما هي السيناريوهات المحتملة الّتي قد تؤثّر على لبنان؟

لا في قلب المفاوضات ولا في خارجها

في حديث إلى موقع Ici Beyrouth، يدعو العميد المتقاعد خليل الحلو أولًا إلى وضع المباحثات الإيرانية-الأميركية في إطارها الأشمل. فبحسب الأخير، لا يحتل لبنان موقعًا مركزيًّا في المفاوضات الجارية، إذ تهيمن على الأخيرة ركيزتان أساسيتان: الملف النوويّ الايرانيّ من جهة، وقضية مضيق هرمز الاستراتيجية من جهة أخرى.

في هذا السياق، يبدو لبنان في موقع هامشيّ. غير أنّ القراءة الايرانية مختلفة؛ إذ تسعى طهران إلى إدراج مواقفها الإقليمية ضمن مسار التفاوض، لا سيّما عبر ربط مصير “أذرعها” الإقليميين بأي اتفاق شامل محتمل. وبذلك، يُدرج لبنان ضمن الملفات الّتي ترغب الجمهورية الاسلامية في أن تُؤخذ بعين الاعتبار في تسوية موسّعة.

ولكن، كما يشير الحلو، يبقى هذا الطرح في إطار الخطاب الايراني، ولا يعكس أي تقاطع فعليّ مع واشنطن أو تل أبيب. ثمّ يتابع: “ما من معطيات ملموسة تشير إلى أنّ الولايات المتحدة تفكر في إدراج حزب الله ضمن منطق تنازلات مرتبط بالاتفاق الجاري التحضير له،” مؤكدًا “إنّ المؤشرات الصادرة عن واشنطن وتل أبيب تفيد بأنّ ملف لبنان منفصل، ومن المقرر معالجته حصريًّا في إطار المفاوضات اللبنانية-الاسرائيلية”.

وفي السياق عينه، “تواصل واشنطن نهج الضغط المتصاعد، الّذي تعزّز في خلال الأسابيع الأخيرة عبر عقوبات جديدة طالت شخصيات من حزب الله (من بينهم نواب) وحركة أمل، فضلًا عن بعض المسؤولين في مواقعهم في داخل الأجهزة الأمنية اللبنانية،” يذكّر الحلو.

وتؤكد التصريحات الاسرائيلية الأخيرة هذا التوجه. فقد أعلن بنيامين نتنياهو، يوم الأحد، توصّله إلى اتفاق مع دونالد ترامب على الحفاظ على حرية تحرك إسرائيل في مواجهة أي تهديد، بما في ذلك في لبنان، ما يعزز القول إنّ الملف اللبنانيّ بالنسبة إلى تل أبيب مسألة أمنية مستقلة.

بل أكثر من ذلك، فقد طالب رئيس أركان الجيش إيال زامير، يوم الاثنين، في خلال اجتماع أمنيّ، بتنفيذ ضربات ضد مبانٍ في بيروت ردًا على مسيّرات حزب الله، مع التأكيد في الوقت عينه على أنّ إسرائيل لا تملك حرية حركة كاملة في لبنان بسبب القيود الأميركية.

من جهته، طالب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بردّ أكثر هجومية، معتبرًا أنّه يتعيّن تدمير مبانٍ متعددة في بيروت في مقابل كل مسيّرة انتحارية، وأنّه على إسرائيل “تغيير قواعد اللعبة” بدل الاكتفاء بموقف دفاعيّ.

السيناريوهات الممكنة بالنسبة إلى لبنان

في حال التوصّل إلى اتفاق إيرانيّ-أميركيّ، قد تتبلور مسارات محتملة متعددة بالنسبة إلى لبنان، من دون أن يجري التطرق إلى وضعه بوضوح في النص النهائيّ.

يتمثّل السيناريو الأول في إدراج لبنان بشكل صريح ضمن الاتفاق. في هذه الحالة، قد تحصل إيران على وقفٍ للعمليات العسكرية الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية ضمن تسوية إقليمية أوسع. ويمكن حينئذٍ أن يقدّم حزب الله هذا التطور كانتصار غير مباشر، تحققَ من خلال تدخل حليفه الايرانيّ، في وقتٍ لم تصل فيه المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب إلى نتائج ملموسة.

وقد يترافق هذا المسار مع تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران بشكل جزئيّ، ومع الإفراج عن بعض الأصول المجمّدة في الخارج، بما من شأنه أن يعزّز قدرات الجمهورية الاسلامية المالية، ويُترجم لاحقًا دعمًا إضافيًّا لشبكاتها الاقليمية، وفي مقدمتها حزب الله.

غير أنّ هذا الاحتمال، بحسب الحلو، يبقى ضعيف الترجيح، في ضوء رفض فكرة دمج الملفات، لا سيّما لدى إسرائيل.

أمّا السيناريو الثاني فيتمثل في اتفاقٍ أميركيّ-إيرانيّ، يقتصر على تهدئة عامة من دون معالجة الملف اللبنانيّ بشكل مباشر. في هذه الحالة، قد تتراجع حدة التوتر بين إسرائيل وحزب الله من دون أن تختفي، بينما تبقى المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية حول الحدود والمناطق المتنازع عليها في موقعها المركزيّ.

هذا ما جاء بالتحديد في تحليل الحلو، الّذي يرى أنّ تطور الجبهة اللبنانية يتوقف بدرجة أقل على واشنطن، وبدرجة أكبر على الخيارات الاستراتيجية الإسرائيلية. وإذا اعتبر أنّ الولايات المتحدة نجحت أحيانًا في ضبط بعض موجات التصعيد، لا سيّما عبر الحدّ من حجم الضربات على ضاحية بيروت الجنوبية، فهو يعتقد بأنّها لا تملك القدرة على التحكم في القرارات العملياتية الإسرائيلية بشكل حاسم.

وأخيرًا، يتمثل السيناريو الثالث في أن يقتصر الاتفاق على تثبيت العلاقات بين واشنطن وطهران، من دون انعكاسات مباشرة على لبنان. وفي هذه الحالة، تبقى الملفات المرتبطة بحزب الله، أو بنزع السلاح، أو بالانسحاب الاسرائيليّ، ضمن أطر منفصلة، ما يكرّس حالة من الجمود غير المستقر.

ماذا لو فشل الاتفاق؟

يبقى في النهاية احتمال فشل المفاوضات، وهو سيناريو لا يمكن استبعاده، في ظل استمرار التباينات العميقة حول الملفات الأساسية، لا سيّما الملف النوويّ.

ويشير الحلو إلى أنّ هذا الملف يشكّل بالنسبة إلى واشنطن محورًا أساسيًّا وغير قابل للتفاوض، في ظل خشية الولايات المتحدة من أن يؤديَ احتفاظ إيران بقدرات التخصيب إلى تجاوز عتبة تعتبرها استراتيجية.

وفي حال فشل المفاوضات، قد تترتب تداعيات مباشرة كثيرة على لبنان. أولّها استمرار الوضع القائم، مع تواصل الضربات الإسرائيلية وغياب أي أفق سياسيّ واضح. وثانيها احتمال تصعيد إقليميّ أوسع، قد تُستخدم فيه أطراف مرتبطة بإيران، ومن ضمنها حزب الله، كأدوات ضغط في مواجهة غير مباشرة مع واشنطن وشركائها.

وأخيرًا، من شأن الفشل أن يكرّس منطق المواجهة ويعزز توجهات التشدد لدى الطرفيْن. حتى أنّ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب صرّح مؤخرًا بعدم رغبته في “التسرّع” باتجاه اتفاق، ما يعكس استمرار وجود ترددات واعتراضات في داخل مسار التفاوض بحد ذاته.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us