لا خطة إنقاذ من دون دولة: أزمة الثّقة تُفشل أي إصلاح مصرفي


خاص 26 أيار, 2026

الدولة تتصرّف وكأنّها “مراقب خارجي” على الرغم من أنّ السياسات المالية والاقتصادية للحكومات المتعاقبة، والسلطة السياسية كانت السبب الرئيسي في الانهيار، من خلال تضخّم الإنفاق العام، والتوظيف العشوائي في القطاع العام، والهدر في ملف الكهرباء، وإضاعة فرص الدعم الدولي، فضلًا عن تداعيات الانخراط في الصراعات الإقليمية وتعطيل الاستحقاقات الدستورية.

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

في وقتٍ لا تزال فيه الأزمة الاقتصادية والمالية اللبنانية تُراوح مكانها وسط غياب رؤية إصلاحية متكاملة، تتزايد التحذيرات من مُقاربة ملفّ التعافي من زاوية مصرفيّة ضيّقة، بمعزل عن الأسباب البنيويّة التي أوصلت البلاد إلى الانهيار. فالأزمة، وِفق خبراء اقتصاديّين، لم تعد محصورةً بخسائر القطاع المصرفي أو بملف الودائع، بل باتت أزمة ثقة شاملة بالدولة ومؤسّساتها وسياساتها المالية والاقتصادية، ما يجعل أي خطة إنقاذ غير قابلة للحياة إذا لم ترتكز إلى إصلاحات سياسية وإدارية وقضائية وأمنية متوازية.

وفي هذا الإطار، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور نسيب غبريل لـ”هنا لبنان”: “لا يمكن اختصار الأزمة اللبنانية بخطة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي أو معالجة ملف الودائع فقط، إذ إنّ استعادة الثقة بالقطاع المالي ترتبط أولًا باستعادة الثّقة بالدولة والاقتصاد ككل”. ومن هنا، يشدّد غبريل على أنّ أي خطة تعافٍ اقتصادي جدّية يجب أن تقوم على تعاون متكامل بين الدولة والقطاع المصرفي ومصرف لبنان ومكوّنات القطاع الخاص، ضمن رؤية اقتصادية شاملة لا تقتصر على المعالجات التقنيّة والمصرفية.

ويرى أن مسار الإصلاح يبدأ ببسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بالمؤسّسات الشرعية، باعتبار أنّ الاستقرار الأمني والسياسي يُشكّل المدخل الأساسي لاستعادة الثقة الداخلية والخارجية. كما يؤكّد أهمّية ترميم العلاقات مع دول الخليج العربي، ولا سيما المملكة العربية السعودية، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على الاقتصاد اللبناني وحركة الاستثمارات والتحويلات المالية.

ويعتبر الدكتور غبريل أنّ الإصلاح الدستوري والقضائي لا يقلّ أهميةً عن الإصلاح المالي، من خلال احترام المهل الدستورية، وتعزيز فصل السلطات، وترسيخ استقلالية القضاء، بالتوازي مع مكافحة اقتصاد الظلّ وتبييض الأموال، بما يساعد لبنان على الخروج من “اللائحة الرمادية” لمجموعة العمل المالي (FATF) ولائحة الاتحاد الأوروبي للدول عالية المخاطر.

وفي الشقّ الإداري، يدعو إلى إعادة هيكلة جذرية للقطاع العام، عبر إلغاء الوظائف الوهميّة، وتقليص عدد المؤسّسات والصناديق غير المنتجة، وفتح القطاعات التي تحتكرها الدولة أمام المنافسة، إضافةً إلى مكافحة التهرّب الجمركي والضريبي والتهريب عبر الحدود، لما لذلك من أثر مباشر في تحسين المالية العامة.

أمّا ما يتعلق بالقطاع المصرفي، فيؤكّد الدكتور غبريل أنّ إعادة الهيكلة يجب أن تتم ضمن مقاربة عادلة وتشاركيّة بين السلطات النقدية والتنفيذية والتشريعية والقطاع المصرفي، بحيث تتحمل جميع الأطراف مسؤوليّاتها، بدلًا من تحميل المصارف وحدها كلفة الانهيار.

ويستغرب غبريل أداء الدولة في إدارة الأزمة، معتبرًا أنها تتصرّف وكأنّها “مراقب خارجي” على الرغم من أن السياسات المالية والاقتصادية للحكومات المتعاقبة، والسلطة السياسية كانت السبب الرئيسي في الانهيار، من خلال تضخّم الإنفاق العام، والتوظيف العشوائي في القطاع العام، والهدر في ملف الكهرباء، وإضاعة فرص الدعم الدولي، فضلًا عن تداعيات الانخراط في الصراعات الإقليمية وتعطيل الاستحقاقات الدستورية.

ويشير إلى أنّ الأزمة تفاقمت مع سلسلة الرتب والرواتب عام 2017، وتحولت إلى أزمة ثقة قبل أن تنفجر في عام 2019، في ظلّ سوء إدارة للأزمة تمثّل بعدم إقرار قانون “الكابيتال كونترول”، والتخلّف عن سداد سندات “اليوروبوندز”، وسياسات الدعم التي استنزفت احتياطيّات مصرف لبنان.

وفي تقييمه لمشروع قانون استرداد الودائع، يعتبر الدكتور غبريل أنّه كان يجب أن يسبق المشروع دراسات مالية دقيقة، لافتًا إلى أنّ كلفة تسديد 100 ألف دولار للمودعين خلال أربع سنوات قد تصل إلى 22 مليار دولار، في حين أن عددًا محدودًا فقط من المصارف قادر على الالتزام بذلك. كما يستغرب إعفاء الدولة من تحمّل مسؤوليّاتها في الخطة، مُحذرًا من أنّ هذا النّهج لن يساهم في استعادة الثقة المطلوبة.

ويختم غبريل بالتشديد على أنّ الإصلاح لا يتجزّأ، وأنّ استعادة الثقة بالقطاع المصرفي تمر حكمًا عبر استعادة الثقة بالدولة اللبنانية، من خلال تنفيذ إصلاحات شاملة سياسية وقضائية وإدارية ومالية، تترافق مع تحمّل جميع الجهات المعنية مسؤوليّاتها كاملة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us