رغم الهجمات الأميركية… قنوات التفاوض بين واشنطن وطهران لا تزال مفتوحة

تتواصل المواجهة غير المباشرة بين واشنطن وطهران على وقع الضربات العسكرية والتحركات الدبلوماسية المتسارعة، في مشهدٍ يعكس هشاشة التهدئة القائمة على الرغم من استمرار قنوات التفاوض. فبينما كشفت تقارير أميركية عن عمليات بحرية وتصعيد ميداني في مضيق هرمز، تمسّكت إيران بخيار التفاوض بالتوازي مع توجيه رسائل سياسية وعسكرية حادّة، وسط وساطات إقليمية تقودها قطر وباكستان لمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أوسع تُهدّد أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي.
وفي آخر المستجدات، كشف مسؤولان أميركيان، الثلاثاء، أنّ الضربات العسكرية الأميركية التي طالت أهدافًا في جنوب إيران الإثنين جاءت بعد رصد سلسلة من التحرّكات العسكرية الإيرانية التي وُصفت بأنّها “محتملة التهديد” خلال الساعات الأربع والعشرين التي سبقت الهجمات، وفق ما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز”.
وقالت المصادر إنّ طائرات حربية أميركية أغرقت زورقَيْن سريعَيْن تابعَيْن للحرس الثوري الإيراني كانا يحاولان زرع ألغام في مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات العالم اليومية من النفط والغاز قبل الحرب، لكنه أصبح منذ ذلك الحين شبه مغلق بفعل القيود الإيرانية.
كما أضاف المسؤولان، اللذان تحدثا شرط عدم الكشف عن هويتهما نظرًا إلى حساسيّة العمليات، أنّ إيران أطلقت أيضًا طائرات مُسيّرة هجومية أحادية الاتجاه باتجاه عدد من السفن التابعة للبحرية الأميركية، والتي يصل عددها إلى نحو عشرين سفينة في أو حول خليج عُمان وبحر العرب، وتقوم بفرض حصار على السفن التي تحاول دخول الموانئ الإيرانية أو مغادرتها.
ورصد الجيش الأميركي نشاطًا في بعض مواقع أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية قرب مضيق هرمز، اعتُبر تهديدًا لطائرات الهجوم البرية والبحرية العاملة في المنطقة ضمن عمليات الحصار البحري.
وردًّا على ذلك، نفّذت الولايات المتحدة ما وصفته بـ”ضربات دفاع عن النفس” استهدفت تلك المواقع في جنوب إيران، وفقًا لما قاله الكابتن تيم هوكينز، المتحدّث باسم القيادة المركزية الأميركية، في بيان صدر الإثنين.
فيما أشار مسؤولون أميركيون إلى أنّ الحرس الثوري الإيراني ربّما كان يُجري اختبارات تهدف إلى تقييم ما إذا كانت قواته قد حصلت على هامش عملياتي إضافي.
على هذا الصعيد، شدّد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي في رسالة جديدة على أنّ “النفوذ الأميركي ينحسر في المنطقة”، وقال خامنئي، الذي لم يُطلّ علنًا منذ تولّيه منصبه في آذار الماضي، في رسالةٍ جديدةٍ بثّها التلفزيون الإيراني، أمس الثلاثاء، بمناسبة حلول عيد الأضحى وموسم الحج: “إنّ عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وإنّ أراضي المنطقة لن تكون دروعًا للقواعد الأميركية”، وفق تعبيره.
ورأى أنّ الولايات المتحدة “لن تجد بقعةً آمنةً لإقامة قواعد عسكرية، وأنّها تبتعد يومًا بعد يوم عن وضعها السابق”، مُتجاهلًا الحديث عن الضربات الأميركية الأخيرة التي طالت جنوب بلاده.
كذلك تفادى خامنئي التطرّق إلى المفاوضات الجارية مع الطرف الأميركي، والمساعي الباكستانية للتوصّل إلى حلّ يُنهي الحرب.
وأتت تلك الرسالة فيما لا يزال المرشد الإيراني مُتواريًا عن الأنظار منذ نحو 10 أسابيع، إثر إصابته بالغارات التي طالت مقرّ والده، المرشد السابق علي خامنئي، في طهران.
إلى ذلك، وجّهت الحكومة الإيرانية انتقادات للتصرفات الأميركية بعد الهجوم الأميركي على منطقة بندر عباس، تزامنًا مع المفاوضات الجارية من أجل التوصّل إلى اتفاق مبدئي يُنهي الحرب.
وقالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، خلال مؤتمر صحافي، اليوم الثلاثاء: “هذه ليست المرة الأولى التي نشهد فيها تناقضًا في التصريحات والسلوكيّات الأميركية”.
كما اعتبرت أنّ “إحدى المشكلات خلال المفاوضات تتمثّل في التناقضات في التصريحات والسلوكيات الأميركية”.
لكنّها شددت على أنّ فريق التفاوض الإيراني على “مستوى عالٍ جدًا، كما أن القدرات الدفاعية والإسنادية مرتفعة أيضًا”، وفق قولها.
وأكّدت “الثّقة بالفريق الدبلوماسي المفاوض، لا سيما كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف، الذي كان لسنوات قائدًا في الحرب ويعرف مجال الدبلوماسية”.
إلى ذلك، أعربت عن أملها بأنّ “ينتهي مسار التفاوض بما يخدم مصلحة الشعب الإيراني والسلام الدائم في المنطقة، وأن تتحرّر المنطقة من شرّ هذا الوضع غير المستقر”، حسب قولها.
بدورها، أكّدت وزارة الخارجية الإيرانية أنّ الجيش الأميركي انتهك وقف إطلاق النار في المناطق الجنوبية خلال اليوميْن الماضييْن.
في سياق متصل، أكد وزير الخارجية الباكستاني، إسحاق دار، أنّ إطالة أمد النزاع في الشرق الأوسط لا تخدم أحدًا، وذلك بعد استهداف القوات الأميركية زوارق في جنوب إيران.
كما قال في تصريحات صحافية: “بذلنا جهودًا دبلوماسية حقيقية لتيسير حلول دائمة للأزمة الراهنة”، مُضيفًا: “جهود الوساطة مستمرّة ونحثّ جميع الأطراف على ضبط النفس”.
وتابع: “العالم يراقب إنهاء الأزمة في الشرق الأوسط وعلينا أن ننجح”.
وأردف: “الأزمة في الشرق الأوسط تهدّد سلاسل إمدادات الطاقة ويجب أن تنتهي”.
في المقابل، تواصلت المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران على الرغم من الضربات الأميركية الأخيرة في محافظة هرمزغان جنوب إيران، في مؤشر إلى تمسّك الطرفَيْن بمسار التهدئة وعدم انهيار الاتصالات الجارية، وفق ما نقلته صحيفة “وول ستريت جورنال”.
بدوره، أوضح وزير الخارجية ماركو روبيو في وقت سابق أنّ المحادثات مستمرّة على الرغم من الضربات الأحدث على جنوب إيران، مُلمّحًا إلى أنّ المفاوضات قد تستمرّ أيامًا أخرى للتوافق على بعض المسائل.
وبقي قاليباف في الدوحة ليوم ثانٍ لاستكمال المحادثات المُتعلقة بخطة إنهاء الحرب، وسط جهود وساطة تقودها قطر ودول عربية أخرى، بحسب الصحيفة.
ثم عاد كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إلى البلاد، بعد مشاورات مع مسؤولين قطريين في الدوحة، وفق ما نقله التلفزيون الإيراني.
كما أفادت وكالة “فارس” بعودة الوفد الإيراني المفاوض من قطر، مشيرةً إلى أن إعادة الأموال الإيرانية المُجمّدة كانت المحور الرئيسي للمحادثات بين كبار المسؤولين في طهران والدوحة.
وكان مصدر إيراني مطلع قد أكد أنّ زيارة قاليباف إلى قطر أحرزت تقدمًا في المحادثات مع أميركا.
كما أوضح المصدر أن زيارة قاليباف إلى الدوحة كانت تهدف إلى التوصل لاتفاق بشأن الأموال الإيرانية المجمّدة في الخارج، وفق ما نقلت وكالة “تسنيم”.
مواضيع ذات صلة :
لماذا ترتعد طهران من فكرة “ما بعد الحرب”؟! | جولة سويسرية مرتقبة بين واشنطن وطهران ورسالة دعم من الكونغرس لترامب | تقدم أميركي – إيراني في سويسرا وسط تباين بشأن الملف النووي |




