بعد تراجع الأسعار… إلى أين يتجه الذّهب؟

يُواجه الاقتصاد العالمي مرحلة تباطؤ واضحة، وقد يتحوّل إلى ركود في حال استمرار الضغوط الحالية، ما يعني تراجع النموّ والاستهلاك والإنفاق والاستثمار، مع ارتفاع التضخّم وانكماش النشاط الاقتصادي.
كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:
تشهد أسواق الذّهب اليوم حالةً من التذبذب الواضح، بين تراجعات حاليّة في الأسعار من جهة، وتوقّعات متباينة من مؤسّسات مالية كبرى ما زالت ترجّح عودة الارتفاع في المدى المُقبل. هذا المشهد يطرح سؤالًا أساسيًّا: هل نحن أمام موجة هبوط مؤقتة أم بداية مسار صعود جديد؟
يمكن فهم حركة الذّهب عبر ثلاثة عوامل رئيسيّة تحكم اتجاهاته:
– العامل الأول يتمثّل في مشتريات البنوك المركزية حول العالم، التي تلجأ إلى الذّهب كملاذٍ آمنٍ لتعزيز احتياطيّاتها، ما يرفع الطلب عليه ويدفع الأسعار صعودًا.
– أمّا العامل الثاني فهو أسعار الفائدة، وخصوصًا قرارات الفيدرالي الأميركي. فارتفاع الفائدة يجعل الدولار والسندات أكثر جاذبيةً للمستثمرين، ما يضغط على الذهب ويؤدّي إلى تراجعه، بينما يؤدّي خفض الفائدة إلى العكس تمامًا، إذ يعود المستثمرون نحو الذهب كأصلٍ آمنٍ غير مدرٍّ للعائد.
– في حين يبقى العامل الثالث هو التوتّرات الجيوسياسية، التي غالبًا ما تدفع الذهب إلى الارتفاع باعتباره ملاذًا آمنًا. إلّا أنّ المشهد الحالي شهد بعض الاستثناءات، إذ ترافقت التوتّرات، خصوصًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، مع ارتفاع أسعار النّفط نتيجة المخاوف من اضطرابات في الإمدادات، ما انعكس صعودًا في كلفة الطاقة والغذاء ورفع مستويات التضخّم عالميًّا. هذا التطوّر قد يدفع البنوك المركزية إلى تشديد سياساتها النقدية ورفع الفائدة لمواجهة التضخّم، وهو ما يشكّل بدوره عامل ضغط مباشر على الذهب.
في هذا السياق، يؤكّد خبير أسواق المال ميشال صليبي لـ”هنا لبنان” أنّ الأسواق اليوم لا تتفاعل بشكلٍ مباشرٍ مع التوقّعات السياسية أو الحديث عن تهدئة محتملة، إذ تبقى تحت تأثير الضغوط التضخّمية التي تدفع البنوك المركزية نحو سياسات نقدية أكثر تشدّدًا، ما يحدّ من شهية المستثمرين تجاه الذهب والفضّة لصالح الدولار والسندات الأميركية.
ويرى صليبي أنّ الأسواق على المدى القريب ستبقى في حالة تقلّبات حادة وسط ارتفاع المخاطر وعدم اليقين، فيما تبقى النّظرة التاريخيّة للذهب إيجابيّةً على المدى المتوسط والبعيد، حيث يميل إلى تسجيل ارتفاعات تدريجيّة مع مرور الوقت.
على صعيد أوسع، يُواجه الاقتصاد العالمي مرحلة تباطؤ واضحة، وقد يتحوّل إلى ركود في حال استمرار الضغوط الحالية. فالرّكود يعني تراجع النموّ والاستهلاك والإنفاق والاستثمار، مع ارتفاع التضخّم وانكماش النشاط الاقتصادي، ويُعرّف عادةً بدخول الاقتصاد في ربعَيْن متتاليَيْن من الانكماش.
أما في حال انتهاء الحرب، فإنّ التعافي الاقتصادي لن يكون سريعًا، بل يحتاج إلى أشهر وربما عام كامل لاستعادة التوازن، بعد التأثيرات التي طالت سلاسل الإمداد وأسواق الطّاقة والغذاء عالميًّا.
وفي المُحصلة، تبقى الأسواق أمام مشهد معقّد يترقّب ثلاثة مسارات أساسيّة: مدى توسّع أو انحسار التوتّرات الجيوسياسية، واتجاه أسعار النفط وانعكاسه على التضخّم العالمي، وقدرة البنوك المركزية على تحقيق توازن دقيق بين كبح التضخّم ودعم النموّ الاقتصادي.




