العلم الإسرائيلي في الضاحية؟!


خاص 1 حزيران, 2026

القوّات الإسرائيلية عبرت نهر الليطاني وسيطرت على مرتفعات الشقيف، التي تعتبر من أهم المواقع الاستراتيجية لحماية مستوطنات الجليل، وتبدو إسرائيل “مُصمّمةً على سحق قوّة الحزب”.

كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:

مرّ أسبوع على عيد التحرير الذي قرّرته حكومة لبنان قبل 26 عامًا عيدًا رسميًّا بعد انسحاب إسرائيل من كامل الجنوب اللبناني تطبيقًا لقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 425 الصادر عام 1978. لكنّ إسرائيل وبعد مرور أسبوع على العيد رفعت علمها على قلعة الشقيف بعيدًا عن الحدود بينها وبين لبنان ما ألغى عمليًّا انسحابها عام 2000.

أمضت إسرائيل قرابة 22 عامًا في الجنوب وخارجه وصولًا إلى بيروت عام 1982 في مجرى صراعها مع منظمة التحرير الفلسطينية وسائر المنظمات الفلسطينية، ثم قررت الانسحاب من لبنان بعدما زال كلّيًّا الوجود الفلسطيني المسلّح المهدّد لأمنها. فهل سيُعيد التاريخ نفسه، فيصل العلم الإسرائيلي إلى بيروت كما حصل عام 1982 من اجل إزالة الوجود المسلح الإيراني المتمثل بـ”حزب الله”، فلا ينزل هذا العلم الّا بعد زوال سلاح الحزب؟

عاش لبنان 26 عامًا خاليًا من الاحتلال الإسرائيلي باستثناء فترة أسابيع في صيف عام 2006 بسبب افتعال “حزب الله” حربًا ثبت أنّها لحسابات إيرانية. لكنّ الجرّة سلمت قبل 20 عامًا بفضل قرار مجلس الأمن الرقم 1701 ما وفّر انسحابًا إسرائيليًّا وسلطةً من قوات دولية (اليونيفيل) ووصول الجيش اللبناني للمرة الأولى منذ سبعينيّات القرن الماضي إلى الحدود الدولية بين لبنان وإسرائيل.

لكن الجرّة قد لا تسلم هذه المرّة؟ وإذا ما سلمت فهي تحتاج إلى زمن طويل كي يُعاد تأهيلها؟

فقد قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أمس: “ستبقى القوّات الإسرائيلية في الشقيف ضمن المنطقة الأمنيّة في لبنان”. ويعني ذلك أن هذه المنطقة الأمنية التي كانت إسرائيل تعنيها بعد اندلاع الحرب عام 2024 تشمل شريطًا من الأرض محاذيًا للحدود بين إسرائيل ولبنان بعرض يتراوح ما بين 2 و3 كيلومترات فقط، لكنّ هذا الشريط، مع دخول القوات الإسرائيلية إلى نطاق القلعة الشهيرة التي بناها الصليبيّون قبل 900 عام، تمدّد متجاوزًا شمال نهر الليطاني الذي يبعد أحيانًا في مجراه أكثر من 20 كيلومترًا عن الحدود مع إسرائيل.

تسنّى للذين عرفوا قلعة الشقيف قبل أن يغرق لبنان في حربٍ بدأت فلسطينيةً كانت فاتحتها اتفاق القاهرة عام 1969، ثم تحوّلت ومنذ العام 2000 إلى حربٍ إيرانية ولغاية اليوم، أن يدركوا أن هذا المعلم الصليبي كان جديرًا بأن يكون معلمًا سياحيًا بامتياز نتيجة موقعه الجغرافي الجذّاب. لكنّ القلعة، كما قالت التقارير الإعلامية، أصبحت الآن معلمًا أمنيًّا بامتياز لن تتخلّى عنه إسرائيل بسهولة.
وجاء في تحقيق نشرته “رويترز” أمس: “قال الجيش الإسرائيلي أمس الأحد إنّ قواته سيطرت على قلعة الشقيف التي يعود تاريخها إلى 900 عام ومنطقة التلال الاستراتيجية المُحيطة بها في جنوب لبنان، محققًا تقدمًا ميدانيًّا مهمًّا في مواجهة جماعة “حزب الله” المدعومة من إيران على الرغم من وقف إطلاق النار المعلن منذ أكثر من ستة أسابيع”.

وقال الجيش الإسرائيلي أيضًا إن العملية ركّزت على السيطرة على قلعة الشقيف ومنطقة وادي السلوقي، مع إضعاف “حزب الله” وبنيته التحتيّة في تلك المرتفعات.

ويعزّز الاستيلاء على القلعة التاريخية والتلال المحيطة بها الوجود الإسرائيلي في لبنان، في ظلّ استمرار المواجهات العسكرية بين إسرائيل و”حزب الله” حتّى مع صمود وقف إطلاق النار في حرب إيران.

وتمنح السيطرة على قلعة الشقيف القوّات الإسرائيلية نقطة مراقبةٍ تُشرف على معظم جنوب لبنان وشمال إسرائيل.

سنضع جانبًا فكرة المعلم السياحي الذي لم يتحقّق يومًا منذ قرابة نصف قرن. وسيتعيّن على لبنان حاليًّا بعد سقوط قلعة الشقيف، التطلع إلى أين ستمضي الحرب الدائرة التي تسبّب بها “حزب الله” في 2 آذار الماضي. ويُتيح تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي المشار إليه آنفًا معرفة ما تريده الدولة العبرية من هذه الحرب. فقد قال كاتس إن القوات الإسرائيلية سيطرت على مرتفعات الشقيف، وعبرت نهر الليطاني، معتبرًا أنّها من أهم المواقع الاستراتيجية لحماية مستوطنات الجليل. وشدّد على أن إسرائيل “مُصمّمة على سحق قوة “حزب الله” وإتمام المهمة”، وفق تعبيره. وأردف: “أعداؤنا سيخسرون مواقعهم الاستراتيجية واحدًا تلو الآخر”.

وكتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، عبر منصة “إكس” قائلًا: “بين وعود الشعارات وحقيقة الميدان… هنا الخبر اليقين. جنودنا يكتبون بوقفتهم في قلعة الشقيف فصلًا جديدًا من العزّة. لا يُبنى المجد بالخطابات، بل بوقع خطى الجنود. السيطرة على قلعة الشقيف ليست مجرّد إنجاز عسكري، بل هي تحطيم جديد لرمزية غرور “حزب الله”… الذي هدّدنا بالوهن فتهاوت قلاعه أمام ضرباتنا”.

كيف تعامل “حزب الله” مع هذا التطوّر الاستراتيجي الذي سيرسم مسارًا أمنيًّا وعسكريًّا للبنان لفترة طويلة مقبلة؟

غاب أمس رد فعل الحزب على هذا الحدث. لكنّ الحزب وحتى إعداد هذه السطور أطلّ بتصريح أدلى به عضو كتلة الحزب النيابية علي فياض جاء فيه “إنّ النتائج الفارغة لاجتماعات المسار الأمني في البنتاغون التي زجَّت بها السلطة السياسية الجيش اللبناني، إنّما تؤكد فشل الرهان على خيار التفاوض المباشر مع العدو، في تحقيق أي من المطالب اللبنانية، بدءًا من وقف شامل وكامل لإطلاق النار، بل إن استمرار التفاوض في ظلّ حملة الإبادة التدميرية للجنوب وارتكاب المجازر الفظيعة بحقّ المدنيّين، يُشكّل غطاءً غير مباشرٍ لهذه الممارسات الإسرائيليّة”.

وبانتظار أن يدرك “حزب الله” ومن ورائه إيران، أنّ مسار الحرب الدّائرة حاليًا يُشير إلى نتائج لن تكون أقلّ ممّا كان عليه مسار حروب سبعينيّات القرن الماضي ولغاية العام 2000، أوردت قناة “i24NEWS” العبرية تقريرًا حول مفاوضات البنتاغون حمل عنوان “وصلت محادثات الأمن الإسرائيلية اللبنانية إلى طريق مسدود”. وجاء في التقرير: “وسط إطلاق نار من “حزب الله” قال مسؤول إسرائيلي عن الجانب اللبناني: “يبدو أنّهم لا يفهمون الواقع. هم ليسوا في وضعٍ يسمح لهم بتحسين موقفهم التفاوضي على حسابنا”.

في أي حال، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمس: “عدنا إلى الشقيف في جنوب لبنان بشكلٍ مختلفٍ وأقوى من أي وقت مضى، وقريبًا لن تكون لدى “حزب الله” القدرة على تهديد شمال إسرائيل. لقد وجّهت بتعميق تمركز الجيش في معاقل “حزب الله” شمال نهر الليطاني”.

في الخلاصة: “وصل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 إلى بيروت فحاصرها أشهرًا ما أدّى إلى رحيل المنظمات الفلسطينية المسلّحة بحرًا يتقدّمهم ياسر عرفات.

تكرّر أمس التاريخ في قلعة الشقيف بعد أكثر من 4 عقود. فهل ما يمنع أن يحدث أمرٌ مماثل في بيروت وتحديدًا في ضاحيتها الجنوبية حيث عرين “حزب الله” التاريخي، فترتفع فيه أعلام إسرائيل كما حصل أمس في قلعة الجنوب؟”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us