كيف تحوّل الموت ومراسم الدفن إلى أزمة تُؤرق شيعة لبنان؟!

هذا الاكتظاظ والأزمة، التي كانت موجودة سابقًا، خلقا سوقًا سوداء وسماسرةً للموت في بعض المقابر، حيث يتمّ نبش قبور قديمة جدًّا مجهولة الشواهد ولا يتردّد أحد في زيارتها، ويتمّ بيعها مرة جديدة. فيما يتساءل النّاس حول دور المرجعيّات الرّوحية في تنظيم هذه الأمور من أجل احترام الأموات وحفظ كرامتهم، لا سيما في العاصمة بيروت وضواحيها.
كتبت إليونور أسطفان لـ”هنا لبنان”:
في بلدٍ باتت الحرب عنوانه، وشعبه يصارع يوميًّا من أجل البقاء، تطلّ أزمة جديدة تطال الأحياء والأموات معًا، إذ لم يعد الموت في البيئة الشيعية، ولا سيما في بيئة حزب الله، مجرد فاجعة إنسانية أو خسارة أرواح، بل تحوّل إلى عبءٍ ماليٍّ، لا سيما في خضمّ الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد. أمّا الأبرز فهو الضغط الدّيموغرافي الذي يُلاحق العائلات النّازحة والمنكوبة.
وبعد تزايد عدد النّازحين في بيروت والمناطق اللبنانية، أصبح الموت مشكلةً، خصوصًا ما يتعلّق بعملية الدفن والمكان وتكاليفه المادية، فأهالي الجنوب والضّاحية، الذين كانوا يدفنون موتاهم وأحبّاءهم في قراهم وسط مراسم تليق بهم وتحفظ كرامتهم، أصبحوا يفتّشون عن بقعة أرض تأوي شهداءهم وأمواتهم الذين يقضون بشكل طبيعي أو بسبب الشيخوخة والمرض أو في الحرب، ليتمّ دفنهم كوديعةٍ ريثما تنتهي الحرب لنقلهم مُجدّدًا، في ظلّ ارتفاع تكاليف الدفن وأسعار القبور، والتي أصبحت بالدولار ولا يقوى عليها سوى الأغنياء، وسط عجز هذه العائلات عن تحمّل هذا العبء.
تتجلّى ذروة الأزمة في العاصمة بيروت، إذ لم تعد المشكلة ماديّةً فقط، بل جغرافيّة، حيث باتت الجبّانات والمقابر في المدينة مكتظّة وممتلئة بالكامل، ويعمد بعض الناس إلى التفتيش عن قبر أحد المتوفّين من العائلة لنبشه مجدّدًا ودفن المتوفى الجديد فوقه، وأحيانًا يصل الوضع إلى دفن ثلاثة أشخاص فوق بعضهم البعض، ناهيك عن كلفة فتح القبر وإعادة إغلاقه، وتكاليف الصلاة والمراسم والرّخام وغيرها، وصولًا إلى مسألة التعازي التي باتت تقتصر على الاتصالات ووسائل التواصل الاجتماعي.
يروي أحد الأشخاص ويُدعى “حسن” لموقع “هنا لبنان” قصّة والده النّازح من إحدى بلدات الجنوب، حيث أصابه المرض بسبب خروجه من بيته وبقائه في منزل ابنه، وممّا زاد حدّة مرضه معرفته بأنّ بيته قد دمّره الجيش الإسرائيلي ولن يعود إليه مجدّدًا. ويؤكّد أنّ والده أصيب بالمرض بسبب الاكتئاب من الحال التي وصل إليها، فتوفّاه الله.
أمّا عن مصاريف الدفن والعزاء وإمكانيّة إيجاد قبر، فيُشير إلى أنّ الحلّ الوحيد كان عبر إعادة فتح قبر شقيقته المتوفّاة منذ ثلاثين عامًا في جبّانة برج البراجنة، حيث تَجدّد الحزن على تلك الصبية التي توفيت بعمرٍ صغيرٍ وهي تلد أحد أبنائها. فجرى دفن الوالد وديعةً فوق رفات ابنته. ويصف الابن هذه اللحظة بالمأساوية، حيث تجدّدت الذكريات والحزن القديم ليلتصق بالحزن الجديد في ظلّ أزمة قد تطول في حال استمرار الحرب والتهجير والنّزوح.
يقول حسن إنّ التكاليف باتت باهظةً جدًّا وتصل إلى آلاف الدولارات، ولولا وجود قبر أختي ومساعدة إخوتي المغتربين لما تمكنّا من دفن والدي. فيما اكتفينا بإقامة العزاء وتقبّل التعازي في المنزل وعبر الهاتف وصفحات التواصل الاجتماعي.
هذا الاكتظاظ والأزمة، التي كانت موجودة سابقًا، خلقا سوقًا سوداء وسماسرةً للموت في بعض المقابر، حيث يتمّ نبش قبور قديمة جدًّا مجهولة الشواهد ولا يتردّد أحد في زيارتها، ويتمّ بيعها مرة جديدة. لكن في المقابل يقوم بعض المَيْسورين بتقديم أراضٍ في منطقة الشويفات مثلًا وفي صيدا لدفن الموتى كوديعة. فيما يتساءل النّاس حول دور المرجعيّات الرّوحية في تنظيم هذه الأمور من أجل احترام الأموات وحفظ كرامتهم، لا سيما في العاصمة بيروت وضواحيها.
هذا الواقع المرير يؤكّد أنّ الموت في لبنان، لا سيما إبان الحرب العبثيّة التي بدأها حزب الله إسنادًا لغزّة تارةً وإسنادًا للخامنئي في إيران تارةً أخرى، أصبح كارثةً حقيقيّةً على الأحياء، الذين يعملون على لملمة أوضاعهم في ظلّ النّزوح وأزمة إيجاد منزل يأويهم أو مستشفى تستقبل مرضاهم. وقد باتت بعض برّادات المستشفيات ممتلئةً بالوفيات والجثامين التي لا يقوى أهلها على تسلّمها. فلم تعد هناك حرمة للموت، وأصبح الجشع سيّد الموقف، ويتطلّب الأمر انتباه المسؤولين إلى هذه الأزمة المستجدّة التي قد تطال الجميع من دون استثناء.




