صور والنبطية: هل يتصدّع معقلا حزب الله؟

ترجمة هنا لبنان 2 حزيران, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:

أثارت عريضتان نُشرتا بفارق ساعات قليلة في مدينتي صور والنبطية، منذ يوم الجمعة، هزّةً لافتةً في جنوب لبنان، ولا سيّما في أوساط حزب الله. ففي هاتين المدينتين، اللتين تُعتبران من أبرز معاقله التاريخية، دعا ناشطون وأكاديميون ومهنيون وشخصيات محلية إلى إعلان المدينتين “مدينتين مفتوحتين” و”خاليتين من السلاح”، وخاضعتين حصرًا لسلطة الدولة اللبنانية، في وقتٍ تتعاظم فيه تداعيات الحرب وتزداد وطأتها.

اعتراض شيعي جماعي يخرج أخيرًا إلى العلن

في التاسع والعشرين من أيار، أُطلق نداء أول في صور حمل توقيع نحو 150 شخصًا. وبعد ساعات قليلة، ظهرت مبادرة مماثلة في النبطية، تجاوز عدد الموقّعين عليها سريعًا 220 شخصًا.

وما يلفت في هاتين المبادرتين لا يقتصر على مضمونهما، بل يمتدّ إلى طبيعة الموقّعين عليهما. ففي صور، تضم اللائحة عائلات محلية معروفة ومهنيين وناشطين في العمل الأهلي. أما في النبطية، فتبدو التركيبة أكثر تنوعًا، إذ تشمل أكاديميين وأطباء ومهندسين وصحافيين وأساتذة وفاعلين ثقافيين وشخصيات عامة محلية.

ويرى الصحافي والمحلل السياسي الشيعي مروان الأمين، في حديث إلى موقع “Ici Beyrouth”، أنّ هذه المبادرات تعكس تحوّلًا مهمًّا في طبيعة الخطاب داخل البيئة الشيعية. ويقول: “تدل هذه المبادرات على وجود حالة اعتراض شيعية وازنة على خيارات حزب الله”، مشيرًا إلى اندراج الأمر ضمن “مسار تراكمي يشجّع الذين طالما عبّروا عن مواقفهم بصوت خافت على رفع الصوت”.

وبحسب الأمين، تكمن أهمية هذه المبادرات في طابعها الجماعي. فحتى وقت قريب، كانت الانتقادات داخل البيئة الشيعية تُعبَّر عنها بصورة فردية ومحدودة. ويضيف: “اليوم، يمكن أن يكون مفعول هذه الديناميّة تراكميًا، من خلال إضفاء المزيد من الشرعية على الخطاب النقدي في فضاءات بقيت حتى الأمس القريب مغلقةً أمامه”.

من الاعتراض إلى التحوّل؟

مع ذلك، يقلّل الأمين من الأثر السياسي المباشر لهذه المبادرات، مؤكّدًا أنّه “لا يمكننا بعد الحديث عن تحوّل عميق داخل المجتمع الشيعي”.

وبرأيه، لم تنضج بعد الشروط البنيوية اللازمة لحدوث مثل هذا التحوّل. ويتعلّق العامل الأول بالدولة نفسها. ويوضح: “لكي يبرز بديل سياسي، يتعيّن على الدولة أن تكون قادرةً على فرض سلطتها على جميع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية، بما في ذلك داخل مناطق نفوذ حزب الله. وهذا ليس الوضع اليوم”.

فعليًّا، يعتبر جزء كبير من المواطنين الشيعة أنّ الدولة ضعيفة أو غير قادرة على الحلول محل حزب الله. ويقول بأسف: “تعيق هذه النظرة بالذات أي تطور سياسي حقيقي”.

الأمن والخوف وصعوبة التعبير بحرّية

أما العائق الثاني، فهو أمني واجتماعي. فبحسب الأمين، يخشى الكثير من المواطنين تبعات التعبير العلني عن مواقفهم. ويقول: “مَن ينتقد حزب الله قد يتعرّض للتهديد، أو يُتَّهم بالخيانة، أو يعرّض نفسه لمخاطر تمس حياته اليومية”.

وفي ظلّ هذا الواقع، يفضّل الكثيرون حصر آرائهم في الدوائر الخاصة، فيما يبقى التعبير العلني محدودًا ما دامت الدولة عاجزةً عن تأمين حماية فعلية.

وهذا ما حصل بالفعل في بعض الحالات في صور والنبطية، إذ سحب عدد من الموقّعين أسماءهم من العرائض بعد تعرّضهم لضغوط أو تهديدات، في مشهد يعكس حدود حرية التعبير القائمة اليوم في البلاد، ولا سيّما في هذه المناطق.

غير أنّ المشكلة، وفق المحلل، أعمق من ذلك. فحتى الآن، لا يوجد فضاء سياسي منظّم يتيح نشوء بدائل فعلية لحزب الله أو احتضانها.

“مدينة مفتوحة”: ماذا يعني ذلك؟

ويُثير مطلب إعلان مدن “مفتوحة وخالية من السلاح” بدوره إشكالية أساسية، بحسب الأمين. فطرح مماثل لا يمكن أن يكون فاعلًا إلا إذا جاء في إطار مقاربة شاملة لمعالجة ملف السلاح على كامل الأراضي اللبنانية. ويحذّر قائلًا: “لا يمكن معالجة قضية السلاح بصورة جزئية”.

وبحسب الأمين، تُظهر التجارب السابقة، ولا سيّما عندما أعلنت الحكومة اللبنانية العاصمة بيروت مدينةً خاليةً من السلاح، حدود هذا النوع من الإعلانات. ومن هنا، “سيكون من الصعب الخروج من هذا المأزق من دون حل شامل لقضية السلاح”، على حد تعبيره.

ومهما يكن، فإن مجرد طرح هذه المسألة اليوم في العلن، وبصيغة جماعية ومنظّمة، يشكّل بحد ذاته منعطفًا سياسيًا لافتًا.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us