جنوب لبنان: حين تمحو الحرب الذاكرة

ترجمة هنا لبنان 3 حزيران, 2026

كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth”:

من المدن الفينيقية إلى القلاع الوسيطة، ومن الأسواق التاريخية إلى القرى الحجرية، يختزن جنوب لبنان طبقاتٍ متراكمة من التاريخ تمتدّ على آلاف السنين. ومن خلال هذه السلسلة من المقالات، ينطلق موقع Ici Beyrouth في رحلة لاكتشاف تراثٍ استثنائيّ يشهد على الحضارات الّتي صاغت ملامح المنطقة، تراث بات اليوم مهددًا بفعل النزاعات، وتقلبات الزمن، والنسيان.
في جنوب لبنان، لا تقتصر الحروب على حصد الأرواح، وتدمير المنازل، والبنى التحتية، بل تطال أيضًا إرثًا حضاريًّا استثنائيًّا تشكّلَ عبر آلاف السنين. فمن المدن الفينيقية إلى القرى الحجرية، تواجه ذاكرة جماعية كاملة اليوم التآكل والتفكك.
ويحتضن جنوب لبنان تراثًا فريدًا، تتداخل فيه الآثار القديمة مع القلاع الوسيطة، والأسواق التاريخية، والقرى التقليدية. غير أنّ سياق العنف الراهن، بين الغارات، والنزوح، والهجرة، يزيد من هشاشة هذه الذاكرة. وإلى جانب الدمار الماديّ، يتسارع أيضًا إهمال المواقع، وتراجع الممارسات والمعارف الحرفية الّتي أبقتها حيّة عبر أجيال طويلة.
منزلٌ مدمّر، وجدارٌ متصدّع، وطريقٌ مقطوعة. في مناطق النزاع، تستحوذ صور الدمار الماديّ على الاهتمام. غير أنّ اختفاءً من نوع آخر، أكثر خفاء، غالبًا ما يرافق الحروب: اختفاء الذاكرة.

في جنوب لبنان، يكتسب هذا السؤال بُعدًا خاصًّا. إذ تُعتبر هذه المنطقة أيضًا، إلى جانب كونها شريطًا حدوديًّا يتعرّض بصورة متكررة للتوترات والاشتباكات، من أغنى مناطق المشرق من حيث الإرث التاريخيّ. هنا، لا يبقى التاريخ محصورًا في المتاحف، بل يتجلّى في كل مكان: في آثار صور القديمة، وفي حجارة قلعة الشقيف، وفي الأسواق العتيقة، والمزارات، والمنازل التقليدية، وحتى في بساتين زيتونٍ معمّرة تمتد جذورها عبر قرون.
لقد تركت كل حضارة بصمتها في هذا المكان. فالفينيقيون، والإغريق، والرومان، والبيزنطيون، والصليبيون، والمماليك، والعثمانيون، وصولًا إلى اللبنانيين المعاصرين، أسهموا جميعهم في تشكيل مشهدٍ عمرانيّ وثقافيّ، يختزن ما يقارب ثلاثة آلاف عام من التاريخ.
وهذا التراكم التاريخي تحديدًا هو ما يمنح جنوب لبنان فرادته اليوم، غير أنّه يضاعف، في الوقت عينه، من هشاشة هذا الفرادة.

أرضٌ يتجلّى فيها التاريخ في كل مكان
في الكثير من البلدان، تبقى المعالم التاريخية معزولة عن الحياة اليومية، إذ تُدرج ضمن نطاقات أثرية، أو مناطق محمية، أو مسارات سياحية محددة. أمّا في جنوب لبنان، فالصورة مختلفة تمامًا.
في مدينة صور، إحدى أقدم المدن المأهولة في العالم، تتجاور الآثار الرومانية مع الأحياء المعاصرة. وفي تبنين، يفرض القصر الوسيط حضوره على المشهد العام. وفي النبطية، يحمل السوق القديم ذاكرة أجيال من التجار، والحرفيين، والمزارعين. أمّا في قرى جبل عامل، فتشهد بيوتٌ حجرية، وصهاريج، ومعاصر قديمة، حتى اليوم، على أنماط عيشٍ تعود إلى أزمنة بعيدة.
لا يقتصر هذا الإرث على المعالم البارزة، بل يتجسّد أيضًا في تفاصيل الحياة اليومية: ساحة قرية، ودرجٌ نحتَه الزمن، وقوسٌ قديم أُدمج في بناء حديث، ومسجد أو مزار انتقل عبر الأجيال.
وهذا ما يمنح تراث جنوب لبنان خصوصيته: فهو لا ينفصل عن الحياة اليومية، بل يشكل جزءًا منها.
ينشأ جراء هذا القرب رابط قويّ بين السكان وأرضهم، رابط يمنح كل فرد منهم شعورًا بأنّه وريث تاريخ يتجاوز وجوده. لكنّه يعني أيضًا أنّ فترات الأزمات تمسّ هذه الذاكرة بصورة مباشرة.
فحين يغادر السكان قريةً ما، أو عندما تتضرر المباني، أو يُفرغ حيٌّ تاريخيّ تدريجيًّا من سكانه، يتعرض نسيج كامل من الذكريات، والسرديات، والممارسات للتفكك.

هذه الحروب الّتي تمحو آثار الماضي
لا تأخذ الاعتداءات على التراث دائمًا شكل تدميرٍ مباشرٍ ودراماتيكيّ لمعْلمٍ ما، بل تتجلّى أحيانًا في صور بطيئة وصامتة.
بيتٌ قديمٌ يُترَك من دون صيانة، وسقفٌ ينهار، وواجهة تختفي خلف أبنية حديثة، وحِرَفيٌّ يغادر ورشته من دون نقل مهاراته، وقريةٌ تُفرغ شيئًا فشيئًا من قاطنيها.
غالبًا ما تُسرّع النزاعات هذه التحوّلات، إذ تؤدي إلى تهجير السكان، وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية، وتزيد من صعوبة حماية إرث، يعاني هشاشة في الأساس.
وفي منطقة عاشت عقودًا من التوترات، قد يبدو الحفاظ على التراث مسألة ثانوية أمام الطوارئ الانسانية. غير أنّ المسألتيْن متداخلتان بعمق.
فالتراث لا يقتصر على مجموعة من الحجارة القديمة، بل يشكّل مرجعًا جماعيًّا يختزن ذاكرة المجتمع، ويذكّره بأصوله، وبما مرّ به، وبما بناه عبر قرون. وعندما يختفي، يختفي معه جزءٌ من السردية المشتركة.
وكتب الفيلسوف الفرنسيّ بول ريكور أنّ الذاكرة تشكّل واحدة من أسس الهوية. وتؤدي الأمكنة دورًا في هذا البناء، إذ تمنح الماضي شكلًا ملموسًا، وتتيح للأجيال المتعاقبة أن تتعرّف إلى نفسها في داخل تاريخٍ مشترك.
يتميّز جنوب لبنان بقدرته الفريدة على جعل العصور تتحاور في ما بينها. فبضع كيلومترات تكفي للانتقال من مدينة فينيقية إلى قلعة وسطية، ومن سوق عثمانيّ إلى قرية تقليدية في جبل عامل.
وفي حين يشكّل هذا الغنى إرثًا استثنائيًّا، يجسّد في الوقت عينه مسؤولية ثقيلة.
على مدى الأيام المقبلة، ستقترح هذه السلسلة استكشاف بعض هذه الأماكن، ليس بوصفها مجرد فضول تاريخيّ، إنّما كشهودٍ على تاريخٍ لا يزال حيًّا. فخلف كل حجر حكاية، وخلف كل معلَم زمن، وخلف كل موقع جزءٌ من روح جنوب لبنان.
تدمّر الحروب في لحظات ما بنته القرون بعناية وتأنٍّ. وعندما تُمحى الذاكرة مع الحجارة، ينقطع جزء من الرابط بين الأجيال. إذ غالبًا ما يفقد شعبٌ ينسى من أين أتى، القدرة على معرفة إلى أين يتّجه.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us