الأزمة “النظامية” تعود إلى الواجهة… هل يفرض صندوق النقد تعديل قانون “الفجوة المالية”؟


خاص 5 حزيران, 2026

مشروع قانون “الفجوة المالية” أو “استرداد الودائع” لا ينسجم مع توصيف الأزمة على أنها أزمة نظامية. فالصيغة الحالية للمشروع تركز بشكل أساسي على توزيع الخسائر بين المصارف والمودعين، فيما تبدو مسؤولية الدولة شبه غائبة، رغم أنّ جزءًا كبيرًا من الأزمة نتج عن سياسات مالية ومالية عامة راكمت العجز والدين العام على مدى سنوات

كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:

في الوقت الذي أقرّ فيه مجلس النواب قانون إصلاح أوضاع المصارف، فيما لا يزال مشروع معالجة “الفجوة المالية” قيد البحث في مجلس النواب بعد إحالته من الحكومة، عاد مفهوم “الأزمة النظامية” إلى واجهة النقاش المالي في لبنان. فالمسألة لم تعد تقتصر على توزيع الخسائر أو تحديد مصير الودائع، بل باتت تتعلق بالتشخيص الأساسي للأزمة نفسها، لأنّ التشخيص يحدد آلية المعالجة ومن يتحمل كلفتها.
وتبرز هذه المسألة في ظل مؤشرات متزايدة إلى أنّ المقاربة المعتمدة في مشروع “الفجوة المالية” بصيغته الحالية قد لا تنسجم بالكامل مع النظرة التي يتبناها صندوق النقد الدولي ومصرف لبنان للأزمة اللبنانية، والتي تعتبر أنّ ما جرى منذ عام 2019 هو أزمة نظامية شاملة، لا أزمة مصرفية محصورة بقطاع واحد.

صندوق النقد: الأزمة نظامية
خلال السنوات الماضية، كان صندوق النقد الدولي يركز على ضرورة توزيع الخسائر وإعادة هيكلة القطاع المالي، إلا أنّ تقاريره الأخيرة أعادت التأكيد بوضوح أنّ الأزمة اللبنانية هي أزمة نظامية تضرب الدولة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي في آن واحد.
وجاء هذا التوصيف في توقيت لافت، بعدما تراجع الحديث عن مشروع “الفجوة المالية” نتيجة التطورات الأمنية والحرب، ما دفع بعض المتابعين إلى اعتبار أنّ موقف صندوق النقد يشكل رسالة غير مباشرة إلى السلطات اللبنانية بضرورة إعادة النظر في مقاربة توزيع الخسائر، بما ينسجم مع طبيعة الأزمة الحقيقية.
فإذا كانت الأزمة نظامية، فإنّ تحميل طرف واحد الجزء الأكبر من الأعباء لا ينسجم مع التشخيص الذي يعتمده الصندوق، بل يفرض توزيعاً أكثر توازناً للمسؤوليات والكلفة بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف.

تطابق بين مصرف لبنان وصندوق النقد
هذا التوجه يتقاطع مع الموقف الذي أعلنته الإدارة الجديدة لمصرف لبنان منذ تسلمها مهامها في نيسان 2025.
فخلال لقاء حواري في المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أكد حاكم مصرف لبنان كريم سعيد أنّ الأزمة المالية في لبنان هي “أزمة نظامية بكل ما للكلمة من معنى”، مشيراً إلى أنّ هذا التوصيف بات معتمداً أيضاً من قبل صندوق النقد الدولي.
وأوضح أنّ الأزمة لا تتعلق بتعثر مصرف أو مجموعة مصارف فحسب، بل بانهيار متزامن أصاب المالية العامة للدولة، والمركز المالي لمصرف لبنان، وسيولة القطاع المصرفي، وثقة المواطنين بالنظام المالي ككل.
وبحسب الحاكم، فإنّ حكومات متعاقبة أسهمت في تعميق الأزمة عبر إدارة المالية العامة من دون إصلاحات أو مساءلة كافية، فيما ساهمت البيئة الرقابية الضعيفة في تراكم المخاطر المالية والنقدية على مدى سنوات.

إشكالية مشروع “الفجوة المالية”
ويبرز الاعتراض الأساسي على مشروع قانون “الفجوة المالية” أو “استرداد الودائع” في أنه، بحسب منتقديه، لا ينسجم مع توصيف الأزمة على أنها أزمة نظامية. فالصيغة الحالية للمشروع تركز بشكل أساسي على توزيع الخسائر بين المصارف والمودعين، فيما تبدو مسؤولية الدولة شبه غائبة، رغم أنّ جزءًا كبيرًا من الأزمة نتج عن سياسات مالية ومالية عامة راكمت العجز والدين العام على مدى سنوات.
ويستند هذا الاعتراض إلى مبدأ أساسي مفاده أنه إذا كانت الأزمة “نظامية” بالفعل، كما يؤكد صندوق النقد الدولي ومصرف لبنان، فإنّ المعالجة يجب أن تكون نظامية أيضًا، أي أن تشمل الدولة ومصرف لبنان ضمن آلية متوازنة لتوزيع المسؤوليات والخسائر، لا أن تقتصر على طرفين فيما يبقى الطرف الثالث خارج المعادلة.

من يتحمل المسؤولية؟
ويشدد مصرف لبنان على أنّ الاعتراف بالطبيعة النظامية للأزمة لا يهدف إلى تبرئة أي طرف، بل على العكس، يحدد المسؤوليات بشكل أكثر دقة.
فالدولة، ومصرف لبنان، والمصارف التجارية، تتحمل جميعها مسؤوليات متفاوتة في الوصول إلى الانهيار، كل بحسب دوره وحجم مساهمته في تكوين الأزمة.
ومن هنا، فإنّ توصيف الأزمة بأنها نظامية يفتح الباب أمام مقاربة مختلفة لمعالجة الخسائر، تقوم على توزيع الأعباء بين مختلف الأطراف، بدلاً من تحميلها لفئة واحدة، ولا سيما المودعون الذين يعتبرون الطرف الأقل مسؤولية عن الأزمة والأكثر تضرراً من نتائجها.

هل يعود مشروع القانون إلى التعديل؟
هذا الواقع يطرح تساؤلات حول مصير مشروع “الفجوة المالية” المطروح حالياً أمام مجلس النواب. فالتشديد المتكرر من قبل صندوق النقد الدولي ومصرف لبنان على مفهوم “الأزمة النظامية” قد يدفع باتجاه إدخال تعديلات جوهرية على المشروع خلال مناقشته في اللجان النيابية، أو حتى إعادة النظر ببعض بنوده الأساسية بما ينسجم مع هذا التوصيف.
فالمعركة اليوم لم تعد تدور فقط حول حجم الخسائر، بل حول تحديد طبيعة الأزمة نفسها. فإذا كانت أزمة نظامية، فإنّ المعالجة لا يمكن أن تكون مصرفية فقط، بل يجب أن تشمل الدولة ومصرف لبنان والقطاع المصرفي ضمن إطار متكامل لإعادة التوازن إلى النظام المالي.

في جوهر النقاش الدائر اليوم، لا يبدو الخلاف محصوراً بالأرقام أو بآليات رد الودائع، بل بتحديد المسؤولية الأساسية عن الانهيار. وبينما يميل مشروع “الفجوة المالية” إلى مقاربة تركز على القطاع المالي، يعيد كل من صندوق النقد الدولي ومصرف لبنان التأكيد أنّ لبنان يواجه أزمة نظامية شاملة أصابت الدولة ومؤسساتها وقطاعها المالي في آن واحد.
ومن هنا، قد لا يكون توصيف الأزمة مجرد تفصيل تقني، بل مفتاحاً أساسياً لتحديد شكل الحل المقبل، وكيفية توزيع الأعباء بين مختلف الأطراف، بعيداً من تحميل المودعين وحدهم كلفة أكبر انهيار مالي شهدته البلاد في تاريخها الحديث.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us