في جنوب لبنان: الحرب غيرت تفاصيل الحياة اليومية

ترجمة هنا لبنان 7 حزيران, 2026

كتبت Katia Kahil لـ”Ici Beyrouth“:

ثمة عنف لا تحصيه تقارير الحروب، ولا تلتقطه أرقام الخسائر. ليس عنف الغارات، ولا حصيلة القتلى في البيانات العسكرية. إنه عنف من نوع آخر، أكثر خفاء واستدامة: يتسرّب إلى السلوك، ويعيد تشكيل العادات، ويحوّل المكان المألوف إلى فضاءٍ معادٍ. في جنوب لبنان، في قضاء مرجعيون، اسم هذا العنف لا يقال رسميًّا: إنّه الحياة اليومية.

بين المواقع العسكرية، والطرق المعرّضة للخطر، والسماء الخاضعة للمراقبة، يتعلّم سكان مرجعيون، والقليعة، وإبل السقي، كيف يعيشون في مساحة أصبح فيها كل تنقّل مخاطرة. فمنذ أشهر، تعيد الحرب رسم خريطة جنوب لبنان بصمتٍ بطيء، إنّما عميق.

في مرجعيون، والقليعة، وإبل السقي، وبرج الملوك، لم تعد المواجهات تُقاس بالغارات أو الحصيلة العسكرية فحسب، بل أصبحت جزءًا من تفاصيل العيش: في الطرق المُتجنَّبة، والنوافذ المغلقة، والليالي الّتي لا تعرف النوم حقًّا. هنا، لم يعد الناس يعيشون قرب الحرب، بل في داخل جغرافيتها.

الحرب لم تعد تدمّر الأماكن فحسب، بل أصبحت تغيّر طريقة العيش فيها.

القرية الّتي تحوّلت إلى ساحة حسابات

للوهلة الأولى، يحافظ قضاء مرجعيون على مظهره المألوف. فأجراس الكنائس تهيمن دائمًا على التلال، والمتاجر بالكاد تفتح أبوابها، والعائلات تحاول جاهدة المحافظة على مظهر من الحياة الطبيعية.

ولكن خلف هذا الهدوء الظاهريّ، أصبح كل تنقّل عملية حسابية. يقول جوزيف، من سكان القليعة: “كنا نختار الطريق الأسرع، أمّا اليوم فنختار الأقل خطورة. ننظر إلى السماء قبل تشغيل السيارة، ونتحقق من الأخبار قبل مغادرة المنزل”.

لم تعد حرية الحركة في جنوب لبنان تشكّل حقًّا، بل هي تفاوض تكتيكيّ. وبالنسبة إلى السكان الّذين لم يغادروا قضاء مرجعيون، أُعيد رسم خريطة المنطقة بفعل الخوف. وباتت كل رحلة أشبه بعملية محسوبة: يتجنّب السكان المرتفعات المكشوفة، و يحاولون الالتفاف حول بعض المحاور، وتعديل تحركاتهم وفق تحليق الطائرات المسيّرة المتواصل.

في هذه المنطقة الحدودية، حيث تمنح التلال رؤية مفتوحة على القرى المحيطة، طوّر السكان جغرافيتهم الخاصة للخطر. فهم يتجنبون بعض الطرق في أوقات محددة، ولا يسلكون أخرى سوى عند الضرورة القصوى. وكل مسار يشبه اليوم عملية دقيقة.

ترسّخت جغرافيا الخوف هذه في النفوس بعد المأساة الّتي ألمّت بالعائلة الّتي قُتلت على طريق الليطاني بعد سلوكها مسارًا يُعتبر مكشوفًا؛ ففي الجنوب، لم تعد بعض الطرق مجرد مسارات عبور، بل أصبحت خطوط خطر لا يستطيع أحد التنبؤ بمآلها.

هنا، يتحوّل اليوم العادي إلى ممارسة منضبطة للبقاء. يجري تفحّص السماء قبل تشغيل المحرك، وتكييف الحركة وفق حضور الطائرات المسيّرة غير المرئيّ. لم يعدِ الأمر مجرد حذر، بل أصبح شكلًا من أشكال الاختناق الصامت، حيث تكتسب أبسط تفاصيل الحياة اليومية توترًا دائمًا.

حين يستقرّ الخوف في الجدران

لا تغيّر الحرب التنقلات فحسب، بل تعيد أيضًا تشكيل الفضاء المنزليّ. في إبل السقي، تصف ميراي، وهي أم لثلاثة أطفال، ليالٍ يتجزأ فيها النوم بسبب التوتر الدائم: “نخلد إلى النوم من دون أن ننام فعلًا. يوقظنا أدنى صوت. وحتى عندما لا يحدث شيء، نبقى في حالة تأهّب”.

نبقي الهواتف قيد التشغيل حتى ساعات الفجر الأولى. وقد تحوّلت مجموعات واتساب إلى أنظمة إنذار غير رسمية. يراقب السكان الأخبار، ومواقع التواصل، واتصالات الأقارب. حتى أنّ الهدوء بات يثير الريبة. “تخيفنا المسيّرات عندما تحلّق في السماء، وعندما تختفي، نتساءل عمّا يجري تحضيره”، يلخّص أحد سكان مرجعيون.

تولّد هذه اليقظة المستمرة إرهاقًا نفسيًّا عميقًا، واستنزافًا بطيئًا لا يظهر في أي حصيلة رسمية. أمّا الجسد، الأكثر يقظة من الذهن، فلم يعد يعرف الاسترخاء. إنه إنهاك متراكم شهرًا بعد شهر، يحوّل المنزل من بيت إلى ملجأ.

أن يكبر المرء ضمن منطق الخطر

تمتدّ آثار الحرب الأعمق إلى الأطفال. ففي قرى الجنوب، ينشأ جيل كامل على صوت الطائرات المسيّرة كخلفية يومية، وعلى النقاشات الأمنية كلغة يومية للحياة. تقول واحدة من سكان برج الملوك: “يسألني إبني كل صباح إن كان الطريق نحو بيت جدّيْه آمنًا”. وتضيف: “يعرف القرى المستهدفة، والطرق الممنوعة، والمناطق الخطرة، وهو في العاشرة من عمره”.

يشير المدرّسون إلى تفشي القلق، واضطرابات النوم، وتراجع القدرة على التركيز لدى التلامذة. لم تعد الحرب تشكّل محيطهم فحسب، بل باتت تصوغ الطريقة الّتي يكبرون فيها.

المستقبل معلّق

إلى جانب الخوف اليوميّ، تترسّخ حقيقة أخرى: عدم القدرة على التخطيط للمستقبل، وتأجيل الترميمات، وتجميد الاستثمارات، ودفع المشاريع العائلية إلى أفقٍ غير واضح. يقول جورج، وهو مزارع في قضاء مرجعيون: “كنت أفكّر في العام المقبل، أمّا اليوم فأفكّر في صباح الغد”.

في هذه القرى، تقلّص الزمن بحدّ ذاته. ويعيش السكان في حاضر دائم، غير قادرين على التفكير بالمستقبل.

في مرجعيون، والقليعة، وإبل السقي، الناس باقون. ليس لأنّ الخوف قد اختفى، بل لأنّ الرحيل يعني فقدان ما تبقّى. وحين يبدأ مجتمع كامل بتنظيم حياته حول الخطر، تكون الحرب قد حققت انتصارًا من انتصاراتها العميقة: تحويل الأرض إلى سجن مفتوح، والمستقبل إلى أفقٍ بعيد المنال.

وفي اليوم الّذي تصمت فيه الأسلحة، يجب إعادة بناء البيوت. ولكن، علينا أولًا تعلّم العيش من جديد، من دون النظر إلى السماء بقلق.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us