رئيس الجمهورية لإيران: فاجأناكم مو!

من بين الشعارات التي رُفعت في تظاهرة الرابع عشر من آذار 2005، ضدّ وصاية النظام السوري السابق على لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهي أكبر تظاهرة شهدها لبنان في تاريخه، كان شعار “فاجأناكم مو؟”، واليوم وبعد مرور أكثر من نصف قرن أطل الشعار نفسه في وجه تدخل النظام الإيراني في لبنان
كتب أحمد عياش لـ”هنا لبنان”:
تجددت الغارات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت وهو ما كان قد حذر منه رئيس الجمهورية جوزاف عون في الحديث الذي أدلى به لـ CNN. وتكمن أهمية هذا الحديث في ترسيم حدود الموقف الرسمي من التدخل الإيراني في الشؤون اللبنانية. كما تضمن الحديث أيضاً مواقف من إسرائيل و”حزب الله” تستحق التأمل. غير أنّ ما قاله الرئيس عون في سياسة النظام الإيراني حيال لبنان بلغ ذروة لم يسبق لها مثيل في العلاقات اللبنانية – الإيرانية ما أحدث مفاجأة في طهران وتسبب بارتباك على مستوى القيادة الإيرانية احتارت معه كيف تواجهه.
اختار ما تبقى من النظام الإيراني الذي فقد في 28 شباط الماضي مظلته التاريخية، أي المرشد علي خامنئي، وزير الخارجية عباس عراقجي والناطق باسمه إسماعيل بقائي كي يردّا على الرئيس عون. ومن المعروف أنّ وزارة خارجية النظام الإيراني هي أحد أدوات الحرس الثوري الإيراني الذي يحكم إيران. لذا، لم يجرِ اختيار الندّ الرسمي للرئيس اللبناني كما هو مفترض، أي رئيس الجمهورية الإيراني الذي يقتصر دوره فعلياً على كل ما ليس له علاقات بمصير إيران.
يبدو من المفيد إعادة قراءة موقف عراقجي من حديث رئيس الجمهورية اللبنانية. فقد أوردت وكالة تسنيم الإيرانية الناطقة باسم النظام الإيراني النبأ تحت عنوان: “عراقجي رداً على عون: أنقذ لبنان من عدوه الحقيقي”.
وأفادت الوكالة “بأنّ وزير الخارجية الإيراني قال في منشور له على منصة إكس: “بناءً على تصريحات السيد عون، قد يظن المرء أنّ إيران هي التي احتلت خُمس لبنان، وشرّدت ربع اللبنانيين، وتقصف بلاده يومياً. لو كان لبنان ورقة تفاوض بيد إيران، لكان قد تم التوصل إلى اتفاق منذ زمن طويل. سيدي الرئيس، أنقذ لبنان من عدوه الحقيقي”.
أما وكالة الطلبة الإيرانية (إیسنا) والتابعة للنظام الإيراني أيضاً فقد أوردت تحت عنوان “باللهجة اللبنانية.. بقائي یرد علی اتهامات المسؤولین اللبنانیین ضد طهران” الآتي: “رد المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي علی اتهامات المسؤولین اللبنانیین ضد إيران. وكتب بقائي على منصة إكس وباللهجة اللبنانية: بيبيع اللي واقف حدّو، وبيشتري اللي واقف ضدّو، بيترك اللي ساندو، وبيمشي ورا اللي خانقو”.
وهكذا، أدت مقابلة الرئيس عون لـ CNN، فيما أدت إليه، إلى اضطرار الناطق باسم وزارة خارجية النظام الإيراني إلى اعتماد اللهجة اللبنانية التي شقت طريقها أيضاً إلى جدول أعمال طهران التي لم تعترف يوماً بلبنان لغوياً سواء بالفصحى أو بالعامية.
تشاء الأحداث المتلاحقة أن تزيد من إرباك النظام الإيراني فجاء استشهاد العميد وسام صبرا، والنقيب إيلي الخوري، والجندي حسين عبد العلي غزال جراء استهدافهم بغارة إسرائيلية على طريق الخردلي-كفرتبنيت في قضاء النبطية، ليرد على سردية هذا النظام الذي يتجاهل أنّ دماء الجيش اللبناني تسيل أيضاً في الحرب التي ورط هذا النظام بها لبنان عبر أداته “حزب الله”. وكان الرئيس عون في حديثه واضحاً في تحميل طهران المسؤولية عن هذه الحرب المفروضة على لبنان. وفي المقابل، وتعبيراً عن إرباك النظام الإيراني سارع المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، بعد ساعات من التطاول على رئيس الجمهورية بـ “اللهجة اللبنانية” إلى تقديم “التعازي” باستشهاد عناصر من الجيش اللبناني.
وتشاء الأحداث المتلاحقة أيضاً، والتي تعبر عن الحظ العاثر لسياسة النظام الإيراني، أن يقوم قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل بتلبية لدعوة رسمية من رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير. وبحسب مصدر مطلع لوكالة فرانس برس، فإنّ زيارة قائد الجيش اللبناني إلى باكستان “مرتبطة بالوساطة الباكستانية” بين طهران وواشنطن، مضيفاً أنّ “لبنان جزء حاسم من المفاوضات”.
لا يختلف اثنان على أنّ أمنية النظام الإيراني كانت ولا تزال أن يقوم مسؤول لبناني رفيع المستوى بزيارة طهران لكي يصادق على نظرية ارتباط ملف لبنان بملف إيران في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية. لكن هذه الأمنية لم تتحقق. فأتت زيارة العماد هيكل إلى إسلام آباد لكي تؤكد هذه الحقيقة. وتمثل هذه الزيارة واقعاً سيادياً يعيشه لبنان منذ بداية العهد الحالي عام 2025 عندما وصل إلى قصر بعبدا رئيس للجمهورية عن طريق لا تمر بالضاحية الجنوبية لبيروت بل من خلال تصويت نيابي قال إنّ لبنان من الآن فصاعداً أصبح أولاً.
هناك أمر يستحق التوقف عنده، وهو أنّ من حاور الرئيس عون في CNN كانت كبيرة مراسلي المحطة الأميركية كريستيان أمانبور وهي إعلامية مرموقة من أصل إيراني تنتمي إلى إيران التي سبقت إيران الحالية التي حوّلها نظام الملالي إلى جمهورية ظلام تحاول فرض العتمة على بلاد فارس ومعظم الشرق الأوسط.
ومما قاله الرئيس عون لأمانبور: “إنّنا سئمنا هذا الوضع منذ العام 1969، نريد أن نعيش في سلام، ويستحق اللبنانيون عدم رؤية منازلهم تدمّر كل 5 أو 10 سنوات، لقد ملّوا وهم يعتمدون عليّ ومن واجبي تجاه شعبي. هم الشعب اللبناني وليسوا شعب نعيم قاسم. لدينا فرصة جيدة لإنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، لدينا فرصة للشعبين اللبناني والإسرائيلي للعيش في حالة من الأمن والأمان، واعتقد أنهما قد سئما من الحروب منذ العام 1948. إنها فرصة هائلة وعليهما أن يختارا: الحرب أو المفاوضات أو الدبلوماسية، والدبلوماسية هي أفضل طريقة. وكرجل عسكري، فإنني أفهم وقد عشت فظائع الحرب، وأفضل طريقة هي عبر الدبلوماسية. أتحدث مع رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يؤيد المفاوضات وإنهاء هذه الحرب، وقد سئم من الحرب بعد أن شاهد تدمير الجنوب، وهو يريد إنهاء الحرب وأعتمد عليه. صحيح أنّ الحرس الثوري الإيراني لديه تأثير كبير على “حزب الله”، وعليهم أن يتذكروا ما قالوه بالأمس، وأنا أرفض تماماً تصريحهم لجهة عدم موافقتهم على الاتفاق وما حصل. هذا ليس بلدكم، إنّه بلدنا”.
وهكذا ، دخل لبنان بعد حديث رئيس الجمهورية منطقة الوضوح الذي يواجه إعصار حرب مفروضة. ويبدو في هذا السياق مفهوماً ما نقلته أمس صحيفة “يسرائيل هيوم” العبرية عن مصدر دبلوماسي، قوله إنّ “التوصل لاتفاق بين إسرائيل ولبنان أصبح قريباً”. وأضافت الصحيفة: “القيادة اللبنانية تجاوزت نقطة اللاعودة وهي متمسكة بالتوصل إلى اتفاق، وتدرك أنّ إعادة بناء الدولة تتمّ بإنهاء تأثير حزب الله”.
ستبقى ترددات مقابلة رئيس الجمهورية مع CNN مستمرة ولفترة طويلة. وإذا كان المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي اختار اللهجة اللبنانية ليرد على الرئيس عون فيبدو أنّ اللهجة السورية مفيدة للرد على إيران بعبارة: “فاجأناكم مو؟”
يذكر أنه من بين الشعارات التي رُفعت في تظاهرة الرابع عشر من آذار 2005، ضد وصاية النظام السوري السابق على لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وهي أكبر تظاهرة شهدها لبنان في تاريخه، كان شعار “فاجأناكم مو؟”، واليوم وبعد مرور أكثر من نصف قرن أطل الشعار نفسه في وجه تدخل النظام الإيراني في لبنان.
مواضيع مماثلة للكاتب:
مليارات إيران تحترق في النبطية | استهداف الضاحية باعتبارها إيرانية | العلم الإسرائيلي في الضاحية؟! |




