معركة عائشة بكار تفضح حماة الفوضى في بيروت

مطلب تحويل بيروت إلى مدينة منزوعة السلاح لم يعد شعاراً سياسياً يرفعه فريق في مواجهة آخر، بل أصبح حاجة وطنية ملحّة ترتبط مباشرة بالأمن والاستقرار والاقتصاد، فالعاصمة ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي مركز القرار السياسي في لبنان والقوة الاقتصادية، والوجهة السياحية الأولى، وأي اهتزاز أمني فيها ينعكس فوراً على صورة البلاد وثقة المستثمرين والسياح والمجتمع الدولي بها
كتب يوسف دياب لـ”هنا لبنان”:
لم تكن الاشتباكات المسلحة التي شهدتها منطقة عائشة بكار مجرد إشكال أمني عابر يمكن احتواؤه عبر بعض التوقيفات والتحقيقات. فالحدث أعاد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية في لبنان: قضية السلاح المتفلّت داخل العاصمة، وضرورة أن تكون بيروت مدينة منزوعة السلاح، لا سلطة فيها إلا للدولة ومؤسساتها الشرعية.
فالمواجهات التي اندلعت بين مجموعة محسوبة على “سرايا المقاومة” وعناصر من الجماعة الإسلامية، كشفت هشاشة الواقع الأمني الذي لا يزال قائماً في بعض أحياء العاصمة، وأظهرت أنّ السلاح خارج إطار الدولة ما زال قادراً على تحويل أي خلاف أو توتر إلى اشتباك يهدد سلامة السكان ويعيد إلى الأذهان مشاهد يعتقد اللبنانيون أنهم تجاوزوها منذ سنوات.
صحيح أنّ الأجهزة الأمنية والقضائية تحركت بسرعة لملاحقة المتورطين، وأنّ التحقيقات مستمرة لكشف الملابسات وتحديد المسؤوليات، فقد أفاد مصدر قضائي لـ “هنا لبنان”، بأنّ عدد الموقوفين يقترب من عشرة أشخاص، إلا أنّ المعالجة الأمنية تبقى خطوة ضرورية لكنها غير كافية ما لم تترافق مع قرار سياسي واضح يضع حداً نهائياً لانتشار السلاح غير الشرعي داخل بيروت.
فالخطورة لا تكمن فقط في الاشتباك نفسه، بل في الدلالة التي يحملها. إذ إنّ مجرد قدرة مجموعات مسلحة على التحرك واستخدام السلاح في قلب العاصمة تطرح أسئلة جوهرية حول قدرة الدولة على فرض سلطتها الكاملة على أراضيها. وإذا كانت بيروت، التي تضم مراكز القرار السياسي والأمني والقضائي، لا تزال عرضة لمثل هذه الأحداث، فكيف يمكن إقناع اللبنانيين بأنّ الدولة قادرة على بسط نفوذها في المناطق الأخرى؟
من هنا، لم يعد مطلب تحويل بيروت إلى مدينة منزوعة السلاح شعاراً سياسياً يرفعه فريق في مواجهة آخر، بل أصبح حاجة وطنية ملحّة ترتبط مباشرة بالأمن والاستقرار والاقتصاد، فالعاصمة ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي مركز القرار السياسي في لبنان والقوة الاقتصادية، والوجهة السياحية الأولى، وأي اهتزاز أمني فيها ينعكس فوراً على صورة البلاد وثقة المستثمرين والسياح والمجتمع الدولي بها. إنّ استمرار وجود السلاح خارج المؤسسات الشرعية يوجه رسالة سلبية إلى المواطنين أنفسهم، مفادها أنّ الدولة لا تزال عاجزة عن احتكار القوة، وأنّ الأمن قد يبقى رهينة توازنات سياسية أو حزبية بدل أن يكون حقاً مكفولاً بالقانون.
اليوم تقف القوى السياسية أمام اختبار حقيقي، فالمسألة لم تعد تتعلق بتباين في الخيارات أو المشاريع السياسية، بل بمفهوم الدولة نفسه. هناك مشروع يقوم على تعزيز سلطة المؤسسات الشرعية وحماية المواطنين عبر الجيش والقوى الأمنية والقضاء، ومشروع آخر يستمر في توفير مظلات سياسية لمجموعات مسلحة تحت عناوين مختلفة، رغم ما يسببه ذلك من تقويض لهيبة الدولة وإضعاف لمبدأ سيادة القانون.
لقد أثبتت التجارب أنّ الدول لا تُبنى بوجود أكثر من مرجعية أمنية، ولا يمكن أن يستقيم الاستقرار في ظل تعدد مصادر القوة، فاحتكار الدولة للسلاح لم يعد مطلباً نظرياً أو ترفاً سياسياً، بل هو الركيزة الأساسية لأي نظام يسعى إلى حماية مواطنيه وصون أمنهم.
لذلك، فإنّ ما جرى في عائشة بكار يجب ألا يُختزل في إطار حادث أمني محدود، بل ينبغي أن يشكل جرس إنذار يدفع نحو معالجة جذرية لهذا الملف. فبيروت تستحق أن تكون مدينة للحياة والاستثمار والاستقرار، لا ساحة مفتوحة للسلاح والاشتباكات، ومن العاصمة تحديداً يبدأ الامتحان الحقيقي للدولة اللبنانية في استعادة سلطتها وهيبتها وحقها الحصري في حفظ الأمن وفرض القانون.
مواضيع مماثلة للكاتب:
القرض الحسن أمام القضاء: تكريس صراع الدولة والدويلة | قانون العفو بين الصراع الطائفي والعدالة المُجتزأة | العفو العام: عدالة لا صفقة |




