إيران وإسرائيل: تصعيد يسبق الاتفاق؟

ترجمة هنا لبنان 9 حزيران, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

تلاشى سريعًا ما بدا وكأنه تهدئة موقتة في خلال الأسابيع الماضية. فبعد مرور شهريْن فحسب على إبرام اتفاق وقف إطلاق النار في الثامن من نيسان الماضي، تنزلق المنطقة مجددًا نحو دوامة تصعيد متسارعة، لا يبدو أن أحدًا قادر على استشراف مآلاتها اليوم.
مساء الأحد الماضي، أطلقت إيران دفعات متعددة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، ردًّا على الضربات الإسرائيلية الّتي استهدفت، في وقت سابق من اليوم عينه، ضاحية بيروت الجنوبية. ولم تتأخر إسرائيل في الرد، إذ استهدفت بدورها منشآت أساسية مرتبطة بالنظام الايرانيّ.
وبعيدًا عن هذا التبادل العسكريّ، يزداد الغموض بشأن مستقبل المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران. فبينما يواصل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب الدعوة إلى وقف الأعمال القتالية، والتأكيد على أنّ التوصل إلى اتفاق لا يزال ممكنًا، تكشف التطورات الأخيرة عمق الهوة بين الطرفيْن.

بيروت، نقطة التحول
شكّلت العاصمة اللبنانية هذه المرة نقطة الانفجار الحاسمة. فالضربة الإسرائيلية الّتي استهدفت الضاحية كانت شرارة لمرحلة عسكرية جديدة. وإذا نجت المنطقة في بداية الشهر من تصعيد مماثل، فقد تجاوزت إسرائيل هذه المرة خطًّا كان قائمًا، ردًّا على هجمات حزب الله على شمال إسرائيل.
ويجدر التذكير بأنّ تدخلًا مباشرًا من ترامب، وجهودًا دبلوماسية مكثفة ساهما في الأول من حزيران في تجنب سيناريو مشابه. أمّا اليوم، فتندرج الضربة الّتي استهدفت شقتيْن في الضاحية الجنوبية، معقل حزب الله، بحسب David Rigoulet-Roze، رئيس تحرير مجلةOrients stratégiques ، والمتخصص في شؤون الشرق الأوسط، ضمن منطق توقعته الأطراف كافة.
وبحسب الأخير، اعتبرت السلطات الإسرائيلية أنّ إطلاق النار نحو شمال إسرائيل المنسوب إلى حزب الله، يرفع القيود السابقة على ضبط النفس. ووفق هذا المنظور، يفتح الرد الاسرائيليّ المجال، تلقائيًّا، أمام رد إيرانيّ، في ظل تأكيد طهران المتكرر أنّ أي اعتداء على حلفائها لن يمر من دون رد.
وتفسر هذه الآلية القائمة على الفعل ورد الفعل، بالتالي، سرعة التصعيد. فبعد ساعات قليلة من الضربة على بيروت، أطلق الحرس الثوريّ الايرانيّ بضع صواريخ باتجاه إسرائيل، مؤكدًا أنّ تحركه هو للدفاع عن “محور المقاومة”.

استراتيجية ميزان القوى
تتبلور خلف هذا الاستعراض العسكريّ معادلة أوسع تتعلق بمسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
فمنذ أسابيع، تعيش المحادثات حالة جمود واضحة. وكانت القيادة الإيرانية تأمل في انتزاع تنازلات أميركية، خصوصًا في ما يتعلق بالعقوبات الاقتصادية، وآليات الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة في الخارج. غير أنّه ثبت، بحسب Rigoulet-Roze، أنّ هذا الرهان في غير محله.
“لقد راهنوا على أنّ ترامب مستعجل، وأنّ ثمة مجال لتسوية حول الخطوط الحمراء. لكنّ ذلك لم يحدث”، يقول. بل على العكس، اتجهت الإدارة الأميركية إلى تشديد موقفها، عبر تكثيف الضغط الاقتصاديّ في خلال الأسابيع الأخيرة، لا سيّما من خلال إجراءات جديدة تستهدف الشبكات المالية الّتي تمكّن إيران من الالتفاف على العقوبات. كما رفضت واشنطن أي إفراج فوريّ عن الأموال الإيرانية، مشترطة ضمانات مسبقة حول حسن نية المسار التفاوضيّ.
من هنا، حاولت إيران إعادة تشكيل ميزان القوى عبر دفع تصعيد محسوب، يضع الرئيس ترامب في موقع سياسيّ ضاغط. وبهذه المقاربة، تسعى طهران إلى نقل كلفة الردود الاسرائيلية إلى واشنطن بشكل غير مباشر، مع تحميل إسرائيل مسؤولية تدهور الوضع الاقليميّ. غير أنّ دونالد ترامب لا يعتبر أنّ العامل العسكريّ وعامل الوقت حاسمان، بخلاف ما كانت تراهن عليه طهران.

على ماذا تراهن الولايات المتحدة؟
يرى Rigoulet-Roze أنّ “المؤشرات الاقتصادية الأميركية (النمو، واستقرار الأسواق، والضبط النسبيّ لأسعار الطاقة) تمنح واشنطن هامشًا استراتيجيًّا واسعًا”.
بالتالي، يتّخذ الضغط على إيران طابعًا اقتصاديًّا بالدرجة الأولى. ويشير الخبير إلى أنّ “وزير الحرب الحقيقيّ اليوم ليس بيت هيغسيث بل سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركيّ الّذي يطبق استراتيجية “العاصفة الاقتصادية”. ويهدف هذا النهج إلى خنق قدرات الجمهورية الاسلامية المالية تدريجيًا، بما يدفعها إلى التفاوض من موقع أضعف.
ويضيف Rigoulet-Roze: “عندما يقول إنّه غير مستعجل، لا يكون ذلك مجرد موقف تكتيكيّ”. فبالنسبة إليه، بالغت القيادة الإيرانية في تقدير مستوى الضغط السياسيّ في داخل البيت الأبيض. في حين يمنح “ارتفاع المؤشرات في البورصات، والسيطرة النسبية على أسعار الطاقة في ظل غياب التصعيد، واشنطن هامشًا أوسع ممّا كان متوقعًا”، وفق ما يؤكد الخبير.

اشتعال شامل أم تصعيد تحت السيطرة؟
في موازاة ذلك، تتحرك أذرع إيران الاقليمية على أكثر من جبهة. ففي اليمن، جدّد الحوثيون تأكيد دعمهم لطهران وحزب الله، مع إطلاقهم تهديدات متصاعدة ضدّ حركة الملاحة في مضيق باب المندب. كما لوّحوا بتوسيع نطاق عملياتهم ضد المصالح الإسرائيلية والسفن الّتي يعتبرونها مرتبطة بإسرائيل. ومن شأن هذا المسار أن يرفع من منسوب المخاطر على التجارة العالمية، ويزيد من الضغط على أسواق الطاقة.
أمّا حزب الله، فيبقى عنصرًا محوريًّا في المعادلة. فبحسب Rigoulet-Roze ، تسعى طهران إلى منع عزل ملف الحزب عن مسار المفاوضات الأوسع مع واشنطن. “إنهم يعملون على مضاعفة نشاط حزب الله”، يوضح، معتبرًا بأنّ إيران تحاول إعادة إدماج الجبهة اللبنانية ضمن أي نقاش مستقبليّ حول توازنات المنطقة.
وهذا ما يجعل المرحلة الراهنة شديدة الحساسية. فبحسب Rigoulet-Roze، قد يبالغ في التفاؤل من يعتبر هذا التصعيد الأخير مقدمة لاتفاق وشيك بين واشنطن وطهران. “لا ينبغي افتراض أي شيء في ظل هذه الظروف.” وبرأي الأخير، تبقى الخطوط الحمراء قائمة لدى الطرفيْن، ولا يظهر أي استعداد للتراجع في الملفات الجوهرية، وفي مقدمتها الملف النوويّ الإيرانيّ.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us