حين تُقاس الحروب بالنوايا لا بالنتائج


خاص 10 حزيران, 2026

ليست الأزمة هنا في ممارسة البروباغندا والدعاية الحربية، فكلّ الأطراف تلجأ إليها، بل تكمن الأزمة في الانفصام الفكري الذي يعتمد معيارَيْن متناقضَيْن: مقياس عملي وقاسٍ لتقييم الخصم، ومقياس عاطفي وهلامي لتبرير إخفاقات الحليف.

كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:

تنقسم القراءات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط إزاء الحروب إلى مدرستيْن غائرتيْن في التناقض: مدرسة النتيجة الملموسة، ومدرسة النوايا المجرّدة. وبينما تنهمك الأولى في جرد الحسابات العسكرية بسؤالها التقليدي: “ما الذي تحقّق وتدمّر وتغيّر على الأرض؟”، تكتفي الثانية بالغوص في المقاصد بسؤالها: “ماذا كان الهدف؟”، لتوزّع صكوك النصر بناءً على الرغبة لا الإنجاز.

تجلّت هذه الفجوة بوضوحٍ في جولة المواجهة الأخيرة، حين أطلقت إيران أربعة وعشرين صاروخًا انتهت كلها تقريبًا إلى الاعتراض في الأجواء من دون إحداث أضرار استراتيجية أو خسائر بشرية تذكر، ومن دون تبديل يُذكر في ميزان القوى. وعلى المقلب الآخر، رسمت المعطيات الميدانية مشهدًا مغايرًا كليًّا، تمثّل في تدمير منظومات دفاع جوي إيرانية، واستهداف منصّات إطلاق، وضرب منشآت حيوية، وسط معلومات متداولة عن اغتيالات طالت مستوياتٍ قياديةً رفيعةً لم تُحسم بعد.

غير أنّ المفارقة الحقيقية لا تصنعها فوهات المدافع، بل أدوات التقييم، فعند تشريح الأداء الإسرائيلي، يخضع المشهد فورًا لمعايير صارمة وخالية من العواطف: ما حجم الخسائر؟ هل أصابت العملية أهدافها؟ وما هي الكلفة الاقتصادية والعسكرية؟ هنا تسقط الشعارات أمام لغة الأرقام والوقائع. أمّا عند تقييم السلوك الإيراني، فيتحوّل العجز الميداني إلى مهرجان خطابي، إذ تصبح مجرّد الرغبة في الردّ إنجازًا تاريخيًّا، وتتحوّل الصواريخ المحتبسة في الفضاء إلى ملحمةٍ استراتيجيةٍ، بمعزل عن هزالة مفاعيلها على الأرض.

في هذا الفضاء السريالي، يُعاد تعريف الفشل ليصبح بطولة، وتُسوّق الخسارة على أنّها خطوة نحو النصر، ويُطلب من الجماهير التصفيق والتهليل للمحاولة ذاتها لا للنتيجة، وكأنّ ساحات القتال تحوّلت إلى منابر لـ “حسن النوايا” بدلًا من صراع موازين القوى وحقائق الحسابات العسكرية.

ليست الأزمة هنا في ممارسة البروباغندا والدعاية الحربية، فكلّ الأطراف تلجأ إليها، بل تكمن الأزمة في الانفصام الفكري الذي يعتمد معيارَيْن متناقضَيْن: مقياس عملي وقاسٍ لتقييم الخصم، ومقياس عاطفي وهلامي لتبرير إخفاقات الحليف.

إنّ ما نشهده اليوم هو غرق جماعي في مستنقع الوهم، حيث تُعزف أناشيد النصر قبل أن تسكن ذرات الغبار، وتُرفع الهتافات فوق أنقاض الحقائق المرّة، ليُقنع الجمهور بأنّ الصاروخ الذي ضلّ طريقه أو أُسقط في الهواء هو إنجازٌ بحدّ ذاته. وأمام هذا المشهد المتكرّر، يبقى السؤال البديهي الذي يتهرّب منه صنّاع الأوهام: إذا كان هذا الركام وهذا العجز يسمى انتصارًا، فكيف عساها أن تكون الهزيمة؟

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us