القلق في لبنان: أكثر من مجرّد توتر

ترجمة هنا لبنان 11 حزيران, 2026

كتب Makram Haddad لـ”Ici Beyrouth“:

بمناسبة العاشر من حزيران، اليوم العالميّ لمكافحة القلق والتوتر (المعروف أيضًا بالأسبوع العالميّ للتوعية بالتوتر) ، يعود موقع Ici Beyrouth إلى اضطراب غالبًا ما يُستخفّ به، لكنه بعيد كل البعد عن أن يكون بسيطًا. في لبنان، أصبح القلق جزءًا من الحياة اليومية: أزمة اقتصادية، وحرب، ونزوح، وعدم يقين، وتعب اجتماعيّ، وتفاوت في الوصول إلى الرعاية الصحية. ولكن، حين يصبح القلق متواصلًا، ومتغلغلًا، ومعطلًا، يتوقف عن كونه مجرد ردة فعل على حالة ما، ليصبح قضية صحة عامة.
الشعور بالخوف، والقلق، وتوقّع الأسوأ: قد تشكل هذه ردود فعل طبيعية في بلد يرزح تحت أزمات متكررة. فالقلق يساعد أحيانًا على البقاء في حالة يقظة. لكنّه يغيّر طبيعته عندما يستقر، ويعطّل النوم، والتركيز، والعمل، والدراسة، والعلاقات، والحياة العائلية.
في لبنان، يصعب أحيانًا رسم هذا الحد الفاصل. فمنذ عام 2019، تراكمت الصدمات: الانهيار الاقتصادي، وجائحة كورونا، وانفجار مرفأ بيروت، والحرب، والنزوح، وعدم الاستقرار السياسيّ، والهشاشة المعيشية. في هذا السياق، لا يكون القلق مجرد عرض فردي، بل يعكس أيضًا بيئة غير مستقرة بشكل مزمن.

أرقام تثير القلق
على المستوى العالميّ، يُعدّ القلق من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا. ووفق منظمة الصحة العالمية، يعيش نحو 359 مليون شخص مع اضطراب قلق، أي ما يقارب 4.4% من سكان العالم.
في لبنان، تشير البيانات الحديثة إلى مستوى مرتفع من المعاناة النفسية. فقد أظهرت دراسة وطنية أُجريت على 1000 شخص بين تموز وأيلول 2022 نسبًا مرتفعة من الاضطرابات المحتملة: 47.8% للاكتئاب، 45.3% للقلق، و43.5% لاضطراب ما بعد الصدمة.
يتعيّن قراءة هذه الأرقام بحذر، إذ تمثل الأخيرة نتائج فحص أوليّ إيجابيّ، وليس تشخيصات سريرية فردية. غير أنّها تؤكد اتجاهًا يرصده الكثير من الممارسين: لم تعد الصحة النفسية قضية هامشية في لبنان.
وتشير دراسة وطنية مرجعية نُشرت في مطلع الألفية إلى أنّ نحو لبنانيّ واحد من كل أربعة لبنانيين قد يعاني اضطرابًا نفسيًّا واحدًا على الأقل في خلال حياته. وبعد الانهيار الاقتصاديّ، والجائحة، وانفجار المرفأ، والحرب، والنزوح، يبدو أنّ نطاق أعراض القلق، والاكتئاب، والصدمة، قد اتسع، وتغيّر حجم هذه الأعراض.
يرى معالج نفسيّ لبنانيّ، في مقابلة مع موقع Ici Beyrouth أنّ القلق في لبنان، استنادًا إلى ملاحظته السريرية، يتجاوز المعدلات العالمية. يبقى هذا مجرد تقدير في ظل غياب أرقام رسمية موحّدة، لكنّه ينسجم مع الواقع الميدانيّ: إذ باتت الاستشارات المتعلقة بالقلق، واضطرابات النوم، ونوبات الهلع، والأعراض القلقية الاكتئابية أكثر شيوعًا.

بلد تحت ضغط ممتد
لا ينشأ القلق من التعرض المباشر للخطر فحسب. ففي لبنان، ينتقل أيضًا عبر الأخبار، والروايات العائلية، ورسائل القلق، والمحادثات اليومية، وحالة عدم اليقين المستمرة. وحتى بعيدًا عن مناطق التوتر المباشر، يبقى كثيرون في حالة تأهب مزمن.
التهديد الأمنيّ، والخوف من التصعيد، والصعوبات المالية، وسفر الأقارب، وإنهاك العائلات، والعزلة، والهجرة، وفقدان المرجعيات: كلها عوامل تتراكم. وهذا الواقع لا يعني أنّ كل قلق مرضيّ. ففي مواجهة تهديد حقيقيّ، يمكن أن يشكل الخوف استجابة إنسانية طبيعية. لكنّه يصبح مقلقًا عندما يستمر، أو يتفاقم، أو يعمّ، أو يعيق القدرة على العيش بشكل طبيعيّ.

عندما يصبح القلق جسديًّا
القلق ليس مجرد فكرة تدور في حلقة مغلقة، بل قد ينعكس أيضًا على الجسد: خفقان في القلب، وضيق في الصدر، وضيق في التنفس، وشدّ عضليّ، واضطرابات هضمية، وتعب، وانفعال، وأرق، وصعوبات في التركيز. ويراجع الكثير من المرضى الأطباء في البداية بسبب أعراض جسدية قبل اكتشاف البعد المتعلق بالقلق الكامن خلفها.
وهذا أحد أبرز التحديات في لبنان: ففي مجتمع ترتبط فيه الصحة النفسية أحيانًا بالضعف، أو بالوصمة، أو بنقص الإرادة، غالبًا ما تُهمَّش الأعراض النفسية. “نصمد”، و”نحتمل”، و”نمضي قُدمًا”، إلى أن يبدأ القلق في تعطيل الحياة اليومية وإعاقتها.
وذكّر معالج نفسيّ آخر، في مقابلة مع موقع Ici Beyrouth، أجريت منذ أشهر، بأنّ الإحصاءات اللبنانية تبقى هشّة، لا سيّما بسبب نقص التبليغ المرتبط بالوصمة الاجتماعية. ولكن على المستوى السريريّ، تتفاقم نوبات القلق والاكتئاب. وفي الحالات الشديدة، خصوصًا عندما تترافق مع اضطرابات نفسية أخرى، تبرز ضرورة الإحالة إلى متخصص للحصول على تقييم.
الشباب في الخط الأول
يُعتبر الطلاب، والمراهقون، والشباب، من أكثر الفئات عرضة. فضغط الدراسة، وعدم اليقين المهنيّ، والهجرة، وعدم الاستقرار العائليّ، ووسائل التواصل الاجتماعيّ، والحرب، والهشاشة الاقتصادية، كلها عوامل متداخلة. فالكثيرون منهم نشأوا وسط سلسلة من الانقطاعات: انهيار البلاد، وانفجار المرفأ، والجائحة، والأزمات المدرسية، وهجرة أفراد من العائلة، وضجيج الحرب.
وقد رصدت دراسات جامعية أُجريت في لبنان مستويات مرتفعة من أعراض القلق، والاكتئاب، واضطراب ما بعد الصدمة لدى الطلاب والشباب المتأثرين بالأزمات. وأطلقت جامعة القديس يوسف (USJ) حملات توعية حول الصحة النفسية، أشارت فيها إلى القلق، والأرق، والاكتئاب، والاضطرابات العاطفية لدى الأطفال والمراهقين. كما طوّرت الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU) برامج دعم مجتمعية موجهة إلى المراهقين الأكثر هشاشة.
عند الشباب، غالبًا ما يتخذ القلق شكلًا مبهمًا: الخوف من المستقبل، وضغط الامتحانات، ومشاريع الهجرة، والشعور بعدم الأمان، والتعب العائليّ، والتعرض الدائم للشاشات، والمقارنات الاجتماعية. وقد يظهر على شكل انسحاب، أو انفعال، أو تراجع في النتائج الدراسية، أو اضطرابات في النوم، أو شكاوى جسدية متكررة.

تقديم العلاج من دون المبالغة في التهويل
لا يخلو لبنان من الاستجابة. فقد أُطلق عام 2014 البرنامج الوطنيّ للصحة النفسية التابع لوزارة الصحة العامة. ومؤخرًا، وُضعت الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية 2024-2030، بدعم من منظمة الصحة العالمية، بهدف تنظيم الخدمات بشكل أفضل، وتعزيز الوقاية، وإدماج الصحة النفسية في الرعاية الأولية، والحد من الوصمة الاجتماعية.
لكنّ الوصول إلى الرعاية الصحية يبقى متفاوتًا. إذ تؤدي عوامل مثل تكاليف الاستشارات، وضعف التغطية الصحية، وهجرة الاختصاصيين، وتمركز الخدمات في مناطق محددة، وضعف استمرارية المتابعة، كلها، إلى تأخر الاستشارة أو عدمها.
وتختلف آليات العلاج بحسب شدة الحالة، وقد تشمل التوعية، والدعم العائليّ، والعلاج النفسيّ، والمتابعة الطبية، والعلاج بالأدوية عند الحاجة، وتحسين النوم، والنشاط البدنيّ المناسب، وتقليل العزلة، وضمان استمرارية المتابعة. ليس الهدف تحويل كل قلق إلى مرض، بل التمييز بين القلق الطبيعيّ، والحالات الّتي تتحول فيها الأعراض إلى اضطراب يحتاج إلى تدخل.

الاعتراف من أجل دعم أفضل
يرتبط واحد من أهم التحديات بطريقة الكلام. فقول “إهدأ”، أو “لا تفكّر في الأمر”، أو “أنت تبالغ” لشخص يعاني القلق لا يكفي. في المقابل، لن يفيد تحويل كل قلق إلى مرض أيضًا. وبين التبسيط والتهويل، يبقى النهج الأكثر فاعلية هو الاعتراف: الإصغاء، والتقييم، والمرافقة.
ويذكّر يوم العاشر من حزيران بحقيقة بسيطة: يبدأ التعامل مع القلق لحظة الاعتراف به كما هو.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us