مبروك للاقتصاد اللبناني: عودة الصادرات إلى السعودية بعد سنوات من الإغلاق


خاص 12 حزيران, 2026

يأتي القرار السعودي في ظل واقع سياسي وأمني مختلف، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات التجارية بين بيروت والرياض، ويمنح الصادرات اللبنانية فرصة لاستعادة موقعها في أحد أهم الأسواق الخليجية. لكن السؤال الأهم يبقى: ما هي التداعيات الاقتصادية لعودة الصادرات اللبنانية إلى السوق السعودية؟

كتب أنطوان سعادة لـ”هنا لبنان”:

قبل ست سنوات، أُغلق أحد أهم أبواب التصدير أمام لبنان بعدما قررت المملكة العربية السعودية وقف استيراد المنتجات اللبنانية على خلفية ضبط شحنات كبتاغون كانت مخبأة داخل صادرات متجهة إلى أراضيها. يومها، لم يكن القرار السعودي مجرد إجراء تجاري، بل شكّل ضربة قاسية للقطاعين الزراعي والصناعي اللبنانيين اللذين خسرا أحد أبرز أسواقهما العربية.
اليوم، تعود المملكة لتفتح الباب مجددًا أمام المنتجات اللبنانية، ما يطرح سؤالًا أساسيًا: ما الذي تغيّر خلال هذه السنوات حتى اتُّخذ قرار إعادة فتح السوق السعودية؟
الجواب يرتبط بمجموعة من العوامل السياسية والأمنية. فمن جهة، شهد لبنان تطورات سياسية تمثلت بانتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة، إلى جانب متغيرات داخلية وإقليمية انعكست على المشهد الأمني. ومن جهة أخرى، كثّفت الأجهزة الأمنية اللبنانية، من الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام والجمارك، عمليات الرقابة والملاحقة وضبط شبكات التهريب على الحدود والمعابر، في محاولة لاستعادة الثقة العربية والدولية بالمنتجات اللبنانية.
كما أنّ المشهد الإقليمي تغيّر بشكل كبير مقارنة بما كان عليه قبل سنوات، لا سيما بعد سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، الذي كانت تُوجَّه إليه اتهامات دولية بالضلوع في شبكات إنتاج وتهريب الكبتاغون في المنطقة. وبذلك، يأتي القرار السعودي في ظل واقع سياسي وأمني مختلف، يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات التجارية بين بيروت والرياض، ويمنح الصادرات اللبنانية فرصة لاستعادة موقعها في أحد أهم الأسواق الخليجية.
لكن السؤال الأهم يبقى: ما هي التداعيات الاقتصادية لعودة الصادرات اللبنانية إلى السوق السعودية؟
بحسب رئيس تجمع مزارعي وفلاحي البقاع إبراهيم ترشيشي، فإنّ القطاع الزراعي كان يصدّر إلى المملكة العربية السعودية ما يقارب 150 مليون دولار سنويًا في سنوات الذروة، قبل قرار الحظر. إلا أنّ هذا الرقم تراجع بشكل حاد بعد إقفال السوق السعودية، ما انعكس مباشرة على المزارعين والإنتاج الزراعي في مختلف المناطق اللبنانية.
ويؤكد ترشيشي أنّ إعادة فتح السوق السعودية لا تعني فقط زيادة الصادرات، بل تشكل رسالة ثقة للقطاع الزراعي اللبناني بأكمله. فالسوق السعودية كانت من أبرز الأسواق المستقبلة للمنتجات اللبنانية، وعودتها ستمنح المزارعين حافزًا أكبر للاستمرار في الاستثمار بأراضيهم وتوسيع إنتاجهم، بدل التخلي عن الزراعة نتيجة تراجع فرص التسويق والخسائر المتراكمة خلال السنوات الماضية.
كما من المتوقع أن تنعكس هذه الخطوة على حركة التصدير إلى دول الخليج عمومًا، وأن تساهم في تحسين مداخيل المزارعين، ودعم القطاعات المرتبطة بالزراعة من نقل وتوضيب وتخزين وتصدير، ما يخلق دورة اقتصادية يستفيد منها آلاف العاملين في هذا القطاع.
أما القطاع الصناعي، فبحسب نائب رئيس جمعية الصناعيين زياد بكداش، فقد كان يصدّر إلى المملكة العربية السعودية ما يقارب 250 مليون دولار سنويًا قبل قرار الحظر، وهو رقم يعكس حينها حجم حضور الصناعة اللبنانية في أحد أهم الأسواق العربية وأكثرها تأثيرًا على حركة التصدير في المنطقة.
لكن خلال السنوات الست الماضية، لم يقف الأمر عند حدود خسارة السوق فقط، بل شهدت هذه الفترة تغيّرًا أعمق في بنية المنافسة داخل السوق السعودية. إذ دخلت منتجات وسلع بديلة إلى هذه السوق، أبرزها المنتجات التركية والصينية، التي استطاعت أن تثبّت حضورها وتملأ جزءًا من الفراغ الذي تركته الصادرات اللبنانية، سواء من حيث التنوع أو القدرة التنافسية أو حتى الاستمرارية في التوريد.
اليوم، ومع عودة الحديث عن فتح السوق أمام المنتجات اللبنانية مجددًا، يواجه القطاع الصناعي تحديًا مختلفًا عن السابق، لا يقتصر فقط على استعادة الحصة السوقية، بل على إعادة التموضع داخل سوق أصبحت أكثر تشبعًا وتنوعًا. فالمنافسة لم تعد مرتبطة فقط بالجودة، بل باتت ترتكز بشكل أساسي على الأسعار، وعلى قدرة المنتج اللبناني على أن يكون إما قريبًا من سعر المنافسين أو أقل منه، إضافة إلى ضرورة دراسة متطلبات السوق بشكل أدق من السابق، من حيث المواصفات وسلاسل التوريد واستمرارية الإنتاج.
وفي هذا السياق، تبدو المقارنة مع القطاع الزراعي لافتة، إذ إنّ المنتجات الزراعية غالبًا ما تجد طريقها إلى الأسواق بشكل أسرع، نظرًا لكونها سلعًا أساسية مطلوبة بشكل دائم، ما يجعل دخولها إلى السوق السعودي أسهل نسبيًا مقارنة بالمنتجات الصناعية التي تخضع لمنافسة أوسع ومعايير تسعير وتسويق أكثر تعقيدًا.
أما في ما يتعلق بآلية التصدير، فإنّ حركة الصادرات اللبنانية تتم عبر ثلاث قنوات أساسية: البحر والبر والجو، إلا أنّ الغالبية الساحقة من الصادرات، قبل الحرب في سوريا، كانت تعتمد على النقل البري الذي شكّل ما يقارب 80% من إجمالي عمليات التصدير، نظرًا لسرعته وكلفته الأقل مقارنة بالشحن البحري، إضافة إلى مرونته في نقل المنتجات الزراعية والصناعية إلى الأسواق العربية، وخصوصًا الخليجية.
لكن هذا المسار تعرض لانتكاسة كبيرة مع اندلاع الحرب في سوريا، وما رافقها من إقفال للمعابر وتراجع في الاستقرار الأمني، إلى جانب قرار المملكة العربية السعودية بوقف استيراد المنتجات اللبنانية، ما أدى عمليًا إلى تغيير كامل في خريطة التصدير اللبنانية، ودفع العديد من الشركات إلى الاعتماد بشكل أكبر على الشحن البحري رغم كلفته المرتفعة وطول مدته.
اليوم، ومع التحولات التي شهدها الإقليم، ولا سيما انتهاء الحرب في سوريا وعودة الاستقرار النسبي إلى طرق العبور البرية، تبرز فرصة حقيقية أمام لبنان لإعادة تفعيل هذا المسار، بما يسمح بخفض كلفة الشحن بشكل ملحوظ، وتقليص مدة الوصول إلى الأسواق الخليجية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على القدرة التنافسية للمنتج اللبناني، سواء الزراعي أو الصناعي.
إلا أن هذا المسار، ورغم أهميته، لا يزال يحتاج إلى مجموعة من الإجراءات المساندة لضمان فعاليته، أبرزها ما يتعلق بتسهيل حركة الشاحنات والسائقين اللبنانيين عبر المعابر، حيث يطالب عدد من المعنيين بضرورة أن تنظر السفارة السعودية في مسألة تسهيل منح التأشيرات للسائقين، باعتبار أنّ هذا الأمر يشكل عنصرًا أساسيًا في سلاسة التصدير البري واستمراريته، ويختصر جزءًا مهمًا من العقبات اللوجستية التي تعيق انسياب البضائع نحو الأسواق الخليجية.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us