واشنطن وطهران: اتفاق يولد تحت النار… والاختبار الحقيقي بعد التوقيع

أي تصعيد في مضيق هرمز أو أي خطوة عسكرية غير محسوبة أو اعتراض إسرائيلي جدّي قد يؤدّي إلى تعطيل الاتفاق أو تأجيله على الرغم من المؤشرات الإيجابية الحالية. المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًّا للنظام الإيراني، والحكم على نجاح الاتفاق أو فشله لن يكون عند توقيعه، بل من خلال كيفيّة تطبيق بنوده على الأرض ومدى التزام جميع الأطراف بالتعهّدات المعلنة وغير المعلنة.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
على الرغم من التصعيد الميداني وتبادل الضربات بين الولايات المتحدة وإيران خلال الساعات الماضية، إلّا أنّ المؤشرات الدبلوماسية لا تزال توحي بأنّ قنوات التفاوض لم تُقفل، بل ما زالت تسير في اتجاه البحث عن تسوية. وتفيد أوساط دبلوماسية بأنّ المباحثات بين الجانبين لم تخرج عن مسارها حتى الآن، وبأنّ الاتصالات مستمرّة بعيدًا عن الضجيج العسكري والإعلامي، ما يعزّز التقديرات التي تتحدّث عن اقتراب لحظة الحسم.
وفي ظلّ هذه الأجواء المتشابكة بين التصعيد العسكري والحراك الدبلوماسي، تتّجه الأنظار إلى طبيعة الاتفاق المرتقب وما إذا كان سيشكّل نقطة تحوّل في العلاقة بين واشنطن وطهران، أو مجرّد محطة مؤقتة ضمن مسار تفاوضي طويل. كما تتزايد التساؤلات حول انعكاسات أي تفاهم محتمل على ملفات المنطقة، بدءًا من البرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة في مضيق هرمز، وصولًا إلى الساحات الإقليمية المرتبطة بالنفوذ الإيراني، وفي مقدمتها لبنان.
وعلى الرغم من المناخ الإيجابي الذي يُحيط بالمفاوضات، يحذّر عدد من المراقبين من التسرّع في استخلاص النتائج قبل صدور الصيغة النهائية للاتفاق وبدء اختبار بنوده عمليًّا على الأرض. وفي هذا السياق، تتقاطع قراءات الصحافي والكاتب السياسي آلان سركيس، والكاتب والمحلل السياسي إلياس الزغبي، والصحافي والكاتب السياسي نايف عازار، عند نقطة أساسية مفادها أنّ الاتفاق بات أقرب من أي وقت مضى، لكنّ نجاحه سيبقى سيبقى مرتبطًا بمدى التزام الأطراف بتنفيذ ما سيتم التوافق عليه.
آلان سركيس: اتفاق مرجّح بشروط أميركية واختبار حاسم في التنفيذ
ويقول سركيس إنّ المفاوضات الأميركية – الإيرانية دخلت مرحلةً شديدة الحساسية وسط أجواء توحي بقرب التوصل إلى اتفاق، إلّا أنّ العبرة تبقى في التوقيع النهائي وما سيتضمّنه من بنود واضحة وآليّات تنفيذ فعلية. ويُضيف أن المؤشرات الإيجابية الصادرة عن الأميركيين والإيرانيين وأطراف إقليمية لا تكفي للحكم على النتائج، لأنّ كل طرف يُسرّب روايةً مختلفةً بشأن مضمون الاتفاق.
ويتابع أنّ الملف معقّد واستغرق أشهرًا طويلة من المفاوضات والضغوط، ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان الاتفاق سيكون قابلًا للتنفيذ والاستمرار أو مجرد إطار عام يؤسّس لمفاوضات جديدة في المستقبل. ويعتبر أن إيران تلقّت خلال المرحلة الماضية ضربات عسكرية وأمنية مؤثّرة، خلافًا للصورة التي يحاول محور الممانعة تسويقها، إلّا أنّها نجحت في إدارة معركة البروباغندا وإظهار نفسها في موقع القوة.
ويشير سركيس إلى أنّ امتلاك إيران قوة صاروخية مهمة لا يكفي لتغيير المعادلة الاستراتيجية، معتبرًا أن جوهر الاتفاق يتمثّل في مصير البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والعقوبات الاقتصادية ودور الأذرع الإيرانية في المنطقة. ويرى أنّ أي اتفاق مُحتمل سيكون أقرب إلى الشروط الأميركية منه إلى الشروط الإيرانية، مهما حاول البعض تصويره على أنّه انتصار لطهران.
ويؤكّد أنّ الحديث عن ترتيبات مرتبطة بوقف إطلاق النار ليس جديدًا، لأنّ التفاهمات المتعلّقة بوقف الأعمال العسكرية قائمة أساسًا برعاية أميركية. كما يرى أن واشنطن تبدو مُصِرّة على فصل الملف اللبناني عن الملف الإيراني وتعزيز دور الدولة اللبنانية، معتبرًا أنّ التأثير المباشر للاتفاق في لبنان قد يبقى محدودًا ما لم تتّخذ إيران قرارًا بخفض دعم أذرعها الإقليمية. ويشدّد على أنّ الموقف الإسرائيلي يبقى عاملًا أساسيًا يجب مراقبته، لافتًا إلى أنّ إيران لن تقاتل من أجل لبنان بقدر ما تدافع عن مصالحها المباشرة.
إلياس الزغبي: اتفاق وشيك بغطاء ضبابي… والاختبار الحقيقي يبدأ بعد التوقيع
من جهته، يرى الزغبي أنّه من السابق لأوانه الحكم على نتائج المفاوضات أو على ما يتم تداوله بشأن اتفاق بات شبه منجز، مشيرًا إلى أنّ الصيغة النهائية لا تزال تخضع لتسريبات متناقضة بين طهران وواشنطن.
ويقول إنّ المؤشرات المتوافرة تؤكد وجود تقدم ملموس، وقد يُوقَّع الاتفاق خلال أيام قليلة، وربّما في مدينة جنيف السويسرية، إلّا أن ما تمّ تسريبه حتى الآن يخفي أكثر ممّا يكشف، وأنّ التداعيات الحقيقية للاتفاق لن تظهر فور توقيعه بل خلال فترة اختبار تمتدّ نحو ستين يومًا بعد وقف الحرب.
ويتابع أنّ الاختبار الأساسي سيتمحور حول الملف النووي الإيراني ثم ملف مضيق هرمز، موضحًا أن واشنطن تسعى إلى ضمان عدم بقاء المضيق تحت السيطرة الإيرانية بما يُتيح استعادة حركته الدولية الطبيعية ومن دون أي رسوم أو قيود على السفن العابرة.
ويشير الزغبي إلى أن وقف الحرب يبدو مرجّحًا لكنّه ليس مضمونًا بالكامل، إذ قد تشهد المرحلة الانتقالية انتكاسات أو خروقات تُعيد التوتّر إلى الواجهة. كما يؤكّد أنّ الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمّدة سيبقى مشروطًا بالتزام طهران ببنود الاتفاق، ولا سيما ما يتعلق بالتخصيب المرتفع لليورانيوم ومعالجة المخزون المخصَّب بنسبة تفوق 60 في المئة، إضافةً إلى الالتزامات المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز.
وعن لبنان، يلفت إلى أنّ إيران قبلت بوقف إطلاق النار من دون الشروط التي طالما تمسّكت بها سابقًا، سواء لجهة الانسحاب الإسرائيلي أو عودة النازحين أو غيرها من المطالب التي كان يكررها حزب الله وطهران. ويرى أنّ هذا التطور يعني عمليًا إخراج لبنان من إطار التفاهم السياسي المباشر بين واشنطن وطهران، مع استمرار المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية ومن دون دور إيراني مباشر.
كما يُشير إلى أنّ وقف إطلاق النار في لبنان قد لا يكون كاملًا أو مستقرًّا بصورة نهائية، لأن كلًّا من حزب الله وإسرائيل سيجد دائمًا مبرّرات أمنية للرد أو القيام بإجراءات ميدانية، خصوصًا في ظل الغموض الذي يلف بعض البنود. ويختم بالتأكيد أنّ الحكم على نجاح الاتفاق أو فشله لن يكون عند الإعلان عنه، بل بعد انتهاء فترة الاختبار التي ستستمرّ شهرَيْن.
نايف عازار: اتفاق بصيغة أميركية مشدّدة واختبار جدّية التزام طهران على الأرض
بدوره، يرى عازار أنّ فرص التوصل إلى اتفاق أصبحت أقرب من أي وقت مضى، على الرغم من التناقضات الظّاهرة في الخطاب الإيراني، والتي يفسّرها بمحاولة القيادة الإيرانية التوفيق بين متطلّبات التفاوض مع واشنطن ومخاطبة جمهورها الداخلي والحفاظ على صورتها السياسية.
ويؤكّد أنّ الاتفاق المرتقب يبدو إلى حدٍّ كبيرٍ مصاغًا وفق الرؤية الأميركية وشروطها الأساسية، مشيرًا إلى أنّ أولى الخطوات العملية المتوقّعة تتمثّل في تخفيف التوتّر في مضيق هرمز ووقف أي إجراءات تُعرقل حركة الملاحة البحرية، مقابل تخفيف بعض القيود المفروضة على الموانئ الإيرانية.
ويُضيف أنّ العقوبات الاقتصادية الأميركية أثبتت خلال السنوات الماضية فاعليةً كبيرةً في إنهاك الاقتصاد الإيراني، وربما كانت أكثر تأثيرًا من الضربات العسكرية، لذلك فإنّ واشنطن لن تُقدم على الإفراج الفوري عن الأموال الإيرانية المُجمّدة، بل ستربط ذلك بمدى التزام طهران العملي بتنفيذ بنود الاتفاق.
ويُشير عازار إلى أنّ الجانب الإيراني أبدى استعدادًا للالتزام بقيود صارمة تتعلّق بالبرنامج النووي، تشمل عدم امتلاك أو تصنيع أو شراء أسلحة نووية مستقبلًا، إلّا أن الاختبار الحقيقي يبقى في التطبيق الفعلي لهذه التعهّدات. كما يلفت إلى أنّ الولايات المتحدة تتعامل بحذر مع الملف النووي نتيجة تجارب سابقة أظهرت اعتماد طهران سياسة المماطلة وكسب الوقت.
ويرى عازار أن الأزمة الاقتصادية الداخلية والضغوط المتزايدة دفعت إيران إلى إبداء مرونة أكبر في المفاوضات، لكنّه يحذّر من اعتبار الاتفاق نهايةً للأزمة، مؤكدًا أنّ التجارب السابقة تفرض التعامل بحذر مع سلوك النظام الإيراني. ويعتبر أنّ أي تصعيد في مضيق هرمز أو أي خطوة عسكرية غير محسوبة أو اعتراض إسرائيلي جدّي قد يؤدّي إلى تعطيل الاتفاق أو تأجيله على الرغم من المؤشرات الإيجابية الحالية.
ويختم عازار بالتأكيد أنّ المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًّا للنظام الإيراني، وأن الحكم على نجاح الاتفاق أو فشله لن يكون عند توقيعه، بل من خلال كيفية تطبيق بنوده على الأرض ومدى التزام جميع الأطراف بالتعهّدات المعلنة وغير المعلنة.




