السعودية تعيد فتح قنواتها مع لبنان: ما دلالات التوقيت؟

ترجمة هنا لبنان 13 حزيران, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

بعد نحو خمس سنوات على إغلاق سوقها أمام المنتجات اللبنانية، قررت المملكة العربية السعودية رفع القيود المفروضة على الصادرات الآتية من لبنان. وبعيدًا عن بعدها الاقتصاديّ المباشر، تحمل هذه الخطوة دلالة سياسية أعمق بكثير من معناها التجاريّ الصرف.
فعندما فُرض الحظر في تشرين الأول 2021، برّرت السلطات السعودية قرارها آنذاك بعدم قدرة الدولة اللبنانية على منع تهريب مادة الكبتاغون إلى أراضي المملكة، لا سيّما عبر شحنات الفاكهة والخضروات. غير أنّ هذا التبرير الأمنيّ عكس أيضًا قراءة سياسية أوسع، قوامها دولة لبنانية ضعيفة، تتقاطع فيها هشاشة المؤسسات مع نفوذ حزب الله الّذي يحدّ من قدرة الدولة على بسط سيادتها الكاملة.
أمّا اليوم، فيعكس الإعلان الصادر عن وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان تحوّلًا في مقاربة الرياض للوضع اللبنانيّ، سواء على المستوى السياسيّ أو المؤسساتيّ.

قراءة تتمحور حول استعادة الدولة
يحمل البيان الرسميّ السعوديّ دلالات واضحة في هذا السياق. إذ تبرّر الرياض استئناف استيراد المنتجات اللبنانية بـ”الإجراءات الإيجابية” الّتي اتخذتها الحكومة اللبنانية في مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز أدائها. كما يشير البيان إلى أنّ القرار جاء استجابة لطلب تقدّم به رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، بما يعكس دقة الاختيار في الصياغة، وما يحمله من إشارات سياسية مقصودة.
ومنذ انتخاب عون رئيسًا للجمهورية، وتكليف سلام تشكيل الحكومة، بدأت المملكة العربية السعودية مسار إعادة انخراط تدريجيّ مع بيروت بعد سنوات من التباعد. وقد سبق ذلك، في آذار 2025، وفي خلال زيارة الرئيس اللبنانيّ الرسمية الأولى إلى الرياض، إعلان الطرفيْن العمل على إزالة العوائق الّتي تعرقل استئناف الصادرات اللبنانية، وعودة السائحين السعوديين.
وتبدو الخطوة الحالية بمثابة تتويج لمسار بدأ قبل أكثر من عام. ويقول المحلل السياسيّ مروان الأمين، في حديث إلى موقع Ici Beyrouth إنّ “ما تعكسه الخطوة السعودية هو اعتراف ببداية استعادة الدولة اللبنانية لعافيتها السيادية، لا سيّما من حيث قدرتها على ضبط قراراتها الدبلوماسية والمؤسساتية”.
وبحسب الأمين، تتحرك السعودية في إطار دعم فريق سياسيّ تعتبره أقرب إلى رؤيتها للبنان، أي دولة قادرة على فرض سلطتها على كامل أراضيها، وضبط حدودها، وتقليص نفوذ الفاعلين المسلحين من غير الدول.

عامل حزب الله وإعادة التشكل الأمنيّ الإقليميّ
تبقى مسألة حزب الله محورية في فهم التوقيت السعوديّ. فعلى مدى سنوات، اعتبرت المملكة العربية السعودية أنّ أي انفتاح سياسيّ أو ماليّ تجاه لبنان قد يفضي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى تعزيز تنظيم تعتبره منسجمًا مع إيران. وقد دفعت هذه المقاربة إلى تراجع تدريجيّ في مستوى الانخراط السعوديّ ابتداءً من النصف الثاني من عقد 2010.
اليوم، تبدّل السياق الإقليميّ بصورة ملموسة. فالنظام السوريّ تحت عهد بشار الأسد لم يعد قائمًا، كما أنّ مرحلة المواجهة الجارية أضعفت حزب الله. وفي موازاة ذلك، تشهد المؤسسات اللبنانية مسارًا تدريجيًّا من إعادة التفعيل، لكنّ التحول الأهم يتمثل في تعزيز نسبيّ لقدرة الدولة على ضبط أراضيها. وفي هذا الإطار، يشدّد الأمين على أنّ السلطات اللبنانية كثّفت، منذ توليها المسؤولية، جهودها لفرض رقابة أكثر صرامة على نقاط دخول وخروج البلاد.
أولًا، عبر مطار رفيق الحريري الدوليّ، حيث جرى تشديد إجراءات التفتيش وتعزيز الرقابة على الشحنات وحركة المسافرين بشكل ملحوظ، مع إحباط عدد من محاولات التهريب، وهو ما يُنظر إليه بإيجابية لدى الشركاء الدوليين.
ثانيًا، عبر تعزيز الرقابة على الحدود والمعابر البرية، لا سيّما في المناطق الحساسة على الحدود مع سوريا، حيث ارتفعت وتيرة الإجراءات الأمنية بصورة واضحة.

إشارة ثقة مشروطة
في ضوء هذه التحولات، تندرج الخطوة السعودية. فهذه المبادرة، المهمة جدًّا بالنسبة إلى لبنان، تمثل أيضًا إشارة ثقة سياسية موجهة إلى المستثمرين الإقليميين والدوليين، وإلى سائر دول الخليج الّتي غالبًا ما تشكل المواقف السعودية مرجعًا في مقاربتها للعلاقة مع بيروت.
غير أنّ هذا الانفتاح لا يرقى إلى مستوى تطبيع كامل، بل يظلّ مشروطًا وتدريجيًّا. وكما يختصر الأمين: “لا يتعلق الأمر بتحول جذريّ، بل بمسار تراكميّ، ترتبط فيه كل مرحلة بمدى التقدمات الملموسة الّتي تحققها الدولة اللبنانية”. بتعبير آخر، لا يمثل رفع القيود محطة نهائية، بل خطوة ضمن مسار مفتوح.
وتكمن الدلالة الأعمق لهذا القرار، أقل في استئناف التدفقات التجارية بحد ذاته، وأكثر في الرسالة السياسية الموجّهة إلى بيروت: دولة لبنانية يُعاد بناء مصداقيتها المؤسسية تدريجيًّا، غير أنّ ترسيخ هذا المسار لا يزال مشروطًا بقدرتها على الصمود على المدى الطويل.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us